غاييل أبي خليل*- معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي
تُعدّ الحكومات من أكبر المشترين والمنفقين في الاقتصاد. فمن خلال الشراء العام، تؤمَّن احتياجات الإدارات العامة من الأشغال والسلع والخدمات، كما تُنفَّذ المشاريع العامة، ويُدار جزءٌ مهم من الإنفاق العام. ويمثّل الشراء العام ما بين 10 و20% من الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الاقتصادات، ويبلغ في المتوسط نحو 13% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية1 (OECD)، مما يجعل الحكومات من أبرز الفاعلين الاقتصاديين وأكثرهم تأثيرًا في الأسواق. وفي لبنان، وبحسب تقديرات معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، بلغ حجم الشراء العام خلال الفترة 2010–2020 نحو 20% من إجمالي إنفاق الحكومة المركزية، وما يقارب 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي2.
وقد ارتبطت إصلاحات الشراء العام، في لبنان كما في العديد من الدول، بمبادئ الشفافية والمنافسة والكفاءة، باعتبارها الضمانات الأساسية لحسن إدارة المال العام وتحقيق أفضل قيمة مقابل الإنفاق العام. إلّا أنَّ أهمية الشراء العام لا تقتصر على وظيفته الإدارية أو التنفيذية، بل تتجاوزها ليشكّل الشراء العام إحدى أهم الأدوات التي تمتلكها الدولة لتنفيذ سياساتها العامة وتحقيق أهدافها التنموية. فبفضل حجمه الاقتصادي وقوته الشرائية، يستطيع الشراء العام أن يوجّه الطلب العام (public demand) بما يسهم في دعم الابتكار، وتعزيز القدرات الإنتاجية المحلية، وتحفيز الاستثمار، والمساهمة في تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية وبيئية أوسع.
الشراء العام كأداة للسياسات الصناعية لخلق الأسواق
يعكس هذا التحول في النظرة إلى الشراء العام تغيرًا أوسع في فهم دور الدولة في الاقتصاد. فخلال العقود الأخيرة، عاد الاهتمام بما يعرف بالسياسات الصناعية، ليس باعتبارها دعوة إلى تدخل الدولة في الاقتصاد أو العودة إلى نماذج الاقتصاد الموجّه، بل باعتبارها مجموعة من السياسات التي تساعد على معالجة إخفاقات السوق (market failures) وتعزيز الابتكار والإنتاجية، ودعم قطاعات أو تقنيات ذات أهمية استراتيجية. وفي هذا الإطار، لم تعد الحكومات تعتمد فقط على أدوات تقليدية مثل الحوافز الضريبية، أو الدعم المالي، أو الاستثمار العام، بل بدأت أيضًا بإعادة النظر في كيفية استخدام الطلب العام كأداة للسياسة الاقتصادية. فالدولة لا تؤثر في الاقتصاد فقط من خلال ما تنظمه، بل أيضًا من خلال ما تشتريه.
وقد اكتسب هذا التوجه زخمًا جديدًا خلال السنوات الأخيرة بفعل جائحة كوفيد-19، واضطرابات سلاسل الإمداد، وتصاعد المنافسة الجيوسياسية، ومتطلبات التحوّل نحو اقتصاد منخفض الكربون. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أنَّ هذه التطورات أعادت السياسات الصناعية إلى صدارة النقاش الاقتصادي، مع توسع أدواتها وأهدافها مقارنةً بما كان عليه الحال في العقود السابقة.
ومن بين أبرز الأدوات التي عادت إلى الواجهة في هذا السياق الشراء العام. فبدلًا من النظر إليه باعتباره مجرد وسيلة لتأمين احتياجات الإدارات العامة، بات يُستخدم بصورة متزايدة لتوجيه جزء من الطلب في الاقتصاد نحو أهداف تنموية محددة. فعندما تصبح الحكومة مشتريًا رئيسيًا لتكنولوجيا ناشئة، أو لمواد بناء منخفضة الانبعاثات، أو لابتكارات علمية، فإنّها لا تلبي احتياجاتها التشغيلية فحسب، بل توفر أيضًا حافزًا للشركات للاستثمار، وتطوير منتجاتها، وتوسيع قدراتها الإنتاجية. ولهذا السبب، يبرز مفهوم التوظيف الاستراتيجي للشراء العام، الذي يقوم على استخدام الطلب العام لتحقيق أهداف تتجاوز تأمين احتياجات الإدارات العامة، لتشمل دعم الابتكار، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتقوية سلاسل القيمة المحلية. وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذا التوجه ينعكس أيضًا على الأجندة الدولية للتنمية. فقد اعترفت أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، ولا سيما الهدف 12-7، بدور الشراء العام المستدام كأداة يمكن من خلالها توجيه الإنفاق العام لدعم أهداف اقتصادية واجتماعية وبيئية، بما يتوافق مع السياسات والأولويات الوطنية.
ويتقاطع هذا الطرح مع ما تدعو إليه الاقتصادية ماريانا مازوكاتو، التي ترى أنَّ دور الدولة لا يقتصر على تصحيح إخفاقات السوق، بل يمتد إلى خلق الأسواق وتشكيلها. ففي هذا التصور، لا تكتفي الدولة بوضع القواعد المنظمة للأسواق، بل تضطلع بدور استثماري واستراتيجي في توجيه مسار الابتكار والتنمية الاقتصادية، من خلال الاستثمار طويل الأجل في القطاعات والتقنيات الناشئة، وتحمل جانبًا كبيرًا من المخاطر المرتبطة بها في مراحلها الأولى، عندما تكون العوائد غير مؤكّدة ويكون القطاع الخاص أكثر ترددًا في الاستثمار. ومن هذا المنظور، تُعدّ الدولة فاعلًا اقتصاديًا يسهم في خلق الفرص الاستثمارية وتهيئة الظروف لنشوء أسواق جديدة3.
رسم 1: أثر الشراء العام على الاقتصاد
وقد تبنّت العديد من الدول الشراء العام لدعم الابتكار وتحقيق أهداف تنموية وبيئية وخلق أسواق جديدة. ففي الولايات المتحدة، أبرمت الحكومة الفيدرالية، في إطار عملية Operation Warp Speed، اتفاقيات شراء مسبق (Advance Purchase Agreements) مع عدد من الشركات المطورة للقاحات، من بينها Pfizer/BioNTech وModerna، قبل اكتمال تطوير اللقاحات أو حصولها على التراخيص اللازمة. ولم يكن الهدف تلبية حاجة صحية ملحة فحسب، بل أيضًا الحد من مخاطر الطلب التي تواجه الشركات، من خلال توفير سوق مضمونة شجعتها على الاستثمار في تطوير اللقاحات وتوسيع قدراتها الإنتاجية بوتيرة غير مسبوقة4.
أما في الاتحاد الأوروبي، فقد اعتمد الاتحاد الأوروبي في العام 2024 قانون الصناعة الصافية (Net-Zero Industry Act)، بهدف تعزيز القدرات التصنيعية الأوروبية في مجال تقنيات صافي الانبعاثات الصفري (Net-Zero Technologies)، وتسريع نشرها، وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية. ولتحقيق هذه الأهداف، يعتمد القانون على مجموعة من الأدوات، من بينها الشراء العام، حيث ينص على تعزيز الطلب على تقنيات صافي الانبعاثات الصفري من خلال إدراج معايير تتعلق بالاستدامة والمرونة في إجراءات الشراء العام وفي مزادات الطاقة المتجددة. ويهدف هذا التوجه إلى توظيف القوة الشرائية للدولة في توسيع الأسواق أمام هذه التقنيات، وتحفيز الاستثمار فيها، ودعم تطوير قاعدة صناعية أوروبية أكثر قدرة على المنافسة والمرونة5.
وتوضح هاتان التجربتان أنَّ الشراء العام لم يعد يقتصر على تلبية احتياجات الدولة التشغيلية، بل أصبح أيضًا أداة لخلق الأسواق وتحفيز الاستثمار وتقاسم المخاطر مع القطاع الخاص، بما يخدم أهدافًا اقتصادية وتنموية أوسع.
الشراء العام الاستراتيجي: هل يملك لبنان المقومات؟
قد يبدو هذا النقاش بعيدًا عن واقع بلد يواجه أزمة مالية غير مسبوقة مثل لبنان. فهل يمكن لدولة تعاني ضيقًا شديدًا في الحيز المالي أن تتحدث أصلًا عن توظيف الشراء العام لتحقيق أهداف تنموية؟
في الواقع، لا يتعلق هذا الطرح بزيادة الإنفاق العام، بل بكيفية توظيفه لتحقيق أهداف اقتصادية وتنموية أوسع. فالتوظيف الاستراتيجي للشراء العام لا يعني أن تنفق الدولة أكثر، وإنما أن توظف الإنفاق الذي ستقوم به بصورة تخدم أهدافًا اقتصادية وتنموية. وفي ظل القيود المالية التي يواجهها لبنان، تصبح كيفية توظيف كل ليرة من المال العام لتحقيق أهداف اقتصادية وتنموية طويلة المدى، والمساهمة في تنشيط الاقتصاد وتعزيز قدراته الإنتاجية، أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ولا يفتقر لبنان إلى الأساس القانوني الذي يتيح توظيف الشراء العام لتحقيق أهداف اقتصادية وتنموية. فإلى جانب انسجامه مع أهداف التنمية المستدامة، جاء قانون الشراء العام رقم 244/2021 بمقاربة تتجاوز الوظيفة التقليدية للشراء العام بوصفه مجرد أداة لتأمين احتياجات الإدارات العامة. وتنصّ المادة الأولى من القانون صراحةً على أنَّ من بين أهدافه «تشجيع التنمية الاقتصادية المحلية والعمالة الوطنية والإنتاج الوطني على أساس القيمة الفضلى من إنفاق المال العام، من دون الإخلال بالفعالية». كما تُخضع عمليات الشراء لمبادئ الحوكمة الرشيدة، وتأخذ في الاعتبار مقتضيات التنمية المستدامة. ويعكس ذلك توجّهًا واضحًا لدى المشرّع اللبناني نحو النظر إلى الشراء العام باعتباره أداةً تتجاوز وظيفته التقليدية المتمثلة في تأمين احتياجات الجهات العامة، لتسهم أيضًا في تحقيق أهداف اقتصادية وتنموية أوسع.
ورغم أنّ القانون أرسى هذه المبادئ، فقد انصبّ النقاش خلال السنوات الماضية، بحق، على تطبيقه وترسيخ مبادئ الشفافية والمنافسة والمساءلة. وذلك ضروري، لأنّ إجراءات الشراء الواضحة والشفافة تعزز حسن إدارة المال العام، وتحدّ من الهدر والفساد، وتضمن تكافؤ الفرص بين المتنافسين. غير أنّ هذه المبادئ، على أهميتها، لا تكفي وحدها لترسيخ الأثر الاقتصادي للإنفاق العام. فإلى جانب السعي إلى تحقيق أفضل قيمة مقابل المال العام، يجب طرح الأسئلة التالية: كيف يمكن لكل ليرة تُنفق من المال العام أن تولّد قيمة اقتصادية وتنموية مضافة؟ كيف يمكن توظيف الشراء العام، ضمن الإطار الذي رسمه القانون، بحيث لا يقتصر دوره على شراء السلع والخدمات، بل يسهم أيضًا في تنشيط القطاعات الإنتاجية المحلية وتحفيز الموردين على تطوير قدراتهم التنافسية، وتعزيز قدرة الاقتصاد اللبناني على النمو والصمود؟ وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة اليوم، مع دخول لبنان مرحلة يُتوقع أن تشهد ارتفاعًا في الإنفاق العام بفعل الاستجابة لتداعيات الحروب المتتالية ومتطلبات إعادة الإعمار.
لقد لحظ قانون الشراء العام أهمية توظيف الشراء كأداة للتنمية الاقتصادية، إلّا أنّ تفعيل هذا الدور في لبنان يقتضي توافر رؤية اقتصادية وطنية واضحة تحدد الأولويات والقطاعات الاستراتيجية. فمن دون هذه الرؤية، يصعب أن يؤدي الشراء العام دورًا استراتيجيًا، إذ إنّ قيمته لا تنبع من آلياته القانونية بحد ذاتها، بل من قدرته على ترجمة الخيارات الاقتصادية للدولة إلى طلب عام يوجه الاستثمارات، ويحفز الابتكار والإنتاج في القطاعات ذات الأولوية. ومن هذا المنطلق، لا يصبح الشراء العام أداة استراتيجية إلّا عندما يندرج ضمن سياسة اقتصادية توجه الإنفاق العام نحو تحقيق هذه الأولويات، ويُقاس أثره على أساسها. وعليه، فإنّ الرؤية الاقتصادية الواضحة هي الأساس لتحويل الشراء العام من إجراء إداري إلى خيار اقتصادي.
المراجع
- OECD, “11.1. Size of Public Procurement,” in Government at a Glance 2025 (Paris: OECD Publishing, 2025), https://doi.org/10.1787/0efd0bcd-en.
- Institut des Finances Basil Fuleihan, Economic Estimates of the Size of Public Procurement in Lebanon: Methodological Note (Beirut: Institut des Finances Basil Fuleihan, 2020), https://institutdesfinances.gov.lb/sites/default/files/2024-06/Methodological-note-Economic-estimate-of-PP-size-Apr2020.pdf.
- Mariana Mazzucato, The Entrepreneurial State: Debunking Public vs. Private Sector Myths (London: Anthem Press, 2013).
- Ian Thornton, Paul Wilson, and Gian Gandhi, “‘No Regrets’ Purchasing in a Pandemic: Making the Most of Advance Purchase Agreements,” Globalization and Health 18, no. 62 (2022), https://doi.org/10.1186/s12992-022-00851-3.
- European Commission, Net-Zero Industry Act, https://commission.europa.eu/strategy-and-policy/priorities-2019-2024/european-green-deal/green-deal-industrial-plan/net-zero-industry-act_en










