جورج علم – كاتب ومحلّل سياسي
تتدحرج الأحداث على منحنيات الشرق الأوسط، فتُحدث دويًا هائلًا يُربك حركة التاريخ، ويستفزّ أصحاب المحابر والمنابر لتدوين جولات المواجهات، وسرد وقائع التحوّلات.وتتردّد أنشودة السلام على كل شفة ولسان. لكنّ أطنان القنابل والمسيّرات تزرع في الأرض كوارث، وتحفر فجوات في الضمائر، وتأخذ الحروب في طريقها ضيعًا ومزارع، ومدنًا وبلدات نحو مصير مشؤوم، ويصبح السلام مجرّد معلقات عند شواهد الأضرحة، وقوافل الشهداء.
لقد ظلمت الغطرسة الاحتوائية القرن الحادي والعشرين، وحمّلته أوزارًا ثقيلة وهو في مطلع فجره، وأغدقت عليه نعوتًا قاتمة، يُقال:
- إنّه قرن الخروج عن التقليد، وعن النظام الدولي العتيق الذي أبصر النور بعد الحرب العالمية الثانية، لاستبداله بنظامٍ جديد يستند إلى منطق القوّة، بديلًا عن منطق الحق!
- إنّه قرن اجتياح الخرائط، واستباحة الجغرافيات، وانتهاك السيادات، وفرض الهيمنات بقوة السلاح، وقوة الجشع، لتوسيع دوائر النفوذ، وتكبير شعاعات المصالح.
- إنّه قرن تسطيح الكرة الأرضية، وفرز عوالمها ما بين مربعات قوية قادرة على مواجهة التحديات، وأخرى ضعيفة، مرتهنة حوّلها التسلط إلى حقل تجارب.
- إنّه القرن الموبوء بفيروسات قاتلة، ولا يقتصر الأمر على «جائحة كورونا»، بل على الجوائح النفسية والمعنوية القاتلة التي تعيد الشرق الأوسط إلى العصور المظلمة، وصراع الحضارات، والثقافات، والإتنيات، تحت عناوين براقة تنضح بالرياء لتحسين «كوتا» المصالح وتحصينها.
- وأخيرًا وليس آخرًا، إنه قرن التحولات الاستراتيجية على مستوى العالم، حيث تتسع ظاهرة تعدد الأحلاف، والتحالفات بين دول مستهدفة، ومرتبطة في ما بينها بشبكة مصالح، بهدف الحد من الخسائر، وجبه التحديات. وقد انتقلت هذه «العدوى» إلى الشرق الأوسط المشتعل ببراكين متفجّرة، وبدأت تشهد الساحات المستهدفة تحوّلات استراتيجية، وتحالفات لاستيلاد روادع تشكل قدرًا من «التصدي والصمود».
وتُعتبر «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» شاهدًا على هذا التحوّل، ونموذجًا يحتذى إذا صفت النوايا، وصدقت المقاصد، بعدما أدرك المستهدفون بأنّ الإعصار المدمر لا أفق له، ولا محطة نهائية يحطّ فيها رحاله، بل مجرد مدى مفتوح على كل المفاجآت والصدمات والتوقّعات.
حلف مكّة بداية تحوّل استراتيجي في الشرق الأوسط؟
في صبيحة السابع من آب 2026، التقى بقصر «الصفا» في مكة المكرمة كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف، ووقّع الثلاثة على وثيقة استراتيجية تحمل عنوان «اتفافية مكة للدفاع المشترك».
الأسباب الموجبة كثيرة ومتعددة، يتقدمها ما أصاب «دول مجلس التعاون الخليجي» من أضرار بالغة نتيجة الصراع المفتوح. لقد تكبدت هذه الدول أضرارًا وخسائر استراتيجية واقتصادية وأمنية بالغة جرّاء الحرب التي استهدفت بنيتها التحتية، ومرافق الطاقة الحيوية. وتعرضت منشآت خدماتية لقصف مكثّف شمل محطات رئيسية لتوليد الطاقة، بالإضافة إلى استهداف ناقلات النفط التجارية، مما هدّد سلامة الملاحة البحرية، وإمدادات الطاقة العالمية.
لقد كشفت الهجمات عن الأضرار التي لحقت بالاقتصادات الخليجية المعتمدة على صادرات الطاقة، وأدت إلى تعطّل مسارات التحوّل الاقتصادي، وحركة الطيران، وإمدادات التجارة، فضلًا عن تكاليف باهظة مرتبطة بتعزيز المنظومات الدفاعية، وحماية الموانئ والممرات المائية.
وأحدثت المواجهة هزة عميقة في مفهوم الأمن الإقليمي، ورافقتها حالة من القلق، واهتزاز الثقة في كفاءة الردع الاستراتيجي للتحالفات الدولية التقليدية. كما أفرزت تداعيات الحرب تباينات حادة غير معلنة بين عواصم الدول المعنية حول الآليات الدبلوماسية المثلى لإنهاء الصراع بصورةٍ دائمة. ووصفت «الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي» هذه الاعتداءات بأنّها تصعيد بالغ الخطورة وانتهاك صارخ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، يصل إلى مصاف «جرائم حرب».
في مطلق الأحوال، أثار «حلف مكة الثلاثي» تنوعًا واسعًا في الآراء والتحليلات منذ توقيعه. ويعود هذا التنوع إلى ما يتضمنه الحلف من أبعاد سياسية، وأخرى عسكرية، وثالثة اقتصادية، وربما ثقافية دينية عند البعض.
وبات واضحًا أنّ التفاهم والاتفاق على إبرام «حلف مكة»، جاء نتيجة استشراف الدول الثلاث لمخاطر تهديد أمن المنطقة، سواء أعلنت الولايات المتحدة الانسحاب منها، أو قررت البقاء بشكلٍ أو بآخر لاعتباراتٍ استراتيجية.
ويُعتبر «الحلف» أشبه بخطوةٍ أولى في مسافة الألف ميل، للبدء التدريجي في تقليل اعتماد الدول الثلاث على قوة خارجية واحدة في ما يتعلق بأمنها الاستراتيجي بدرجةٍ أولى. ويرتبط بذلك، ويبنى عليه، أمن منطقة الخليج، بعدما انكشفت تداعياته، وتبيّن للعالم مدى أهميته وتأثيره على الاقتصاد العالمي. وقد بات ذلك أكثر وضوحًا بعد أشهر من اندلاع الحرب في المنطقة، حيث لم تتمكن الولايات المتحدة من حماية أمن حلفائها، بل أسهمت بشكلٍ أو بآخر في زيادة الضغط عليهم، وتصعيد التوتر الإقليمي، ومحاولة توريط دول «مجلس التعاون» في مواجهة لا مصلحة لها فيها مع إيران.
وبديهي القول إنّ المملكة العربية السعودية تسعى إلى تأمين ضمانات إضافية لأمنها الذي بات مهددًا بين الحين والآخر من الشمال إلى الجنوب، وبخاصةٍ بعد اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران، إضافة إلى التهويل الحوثي المستمر.
أمّا تركيا فتسعى إلى توسيع نفوذها الاستراتيجي، وتشعر بأنها قوة إقليمية يمكن أن تؤدي دورًا بارزًا في أمن المنطقة. بينما ترى باكستان في «الحلف» فرصة لتثبيت موقعها كقوةٍ عسكرية كبرى في العالم الإسلامي، خصوصًا أنّها القوة العسكرية النووية الوحيدة من بين الدول الإسلامية. لذلك، يمكن القول إنّ «الحلف» ليس موجّهًا بالضرورة ضد دولة واحدة، أو عدة دول، بل هو محاولة لبناء قدرة ردع جماعية.
أمّا فرضية الاستعداد لمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي التدريجي من الخليج، فهي منطقية، ومن المرجح أن تبدأ الخطوات الفعلية فور انتهاء الحرب، وانخفاض مستوى التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. لكن بالطبع ليس مرجحًا أن يكون الانسحاب فجأة، وإنما بشكلٍ متدرج. وربما يُفهم عدم تعليق واشنطن بشكلٍ سلبي على «حلف مكة» على أنّه نوع من الاطمئنان الأميركي للبديل المناسب لها في المنطقة، ولقدرة هذا البديل على حفظ أمنها في مواجهة طموحات قوى منافسة كالصين مثلًا أو روسيا.
ومن الصعب الجزم بأنّ الدول الثلاث ستقاتل فعلًا إذا ما تعرّضت إحداها لهجوم. المبدأ أصبح معلنًا، أمّا التنفيذ فمن المؤكد أنّه سيكون تحديًا «للحلف»، وسيعتمد ذلك على طبيعة الهجوم أولًا، وعلى طبيعة المصالح التي يهدّدها في الدولة المستهدفة ثانيًا. على سبيل المثال، أي هجوم إيراني مباشر وواسع على السعودية، وبحسب الاتفاق المعلن قد يستدعي دعمًا عسكريًا تركيًا وباكستانيًا بصورةٍ أو بأخرى، بينما الأمر لن يكون بالسهولة المتوقّعة في حال نشوب حرب باكستانية – هندية مثلًا، والتي ستكون أكثر تعقيدًا، فلن يكون من السهل افتراض دخول السعودية وتركيا حربًا شاملة ضد قوة نووية مثل الهند، بخاصةٍ وأنّ البلدين تربطهما بالهند علاقات جيدة. لكن ورغم ذلك، هذه افتراضية نظرية لأنّ الواقع قد يحمل تطورات غير متوقّعة.
وعلى ضوء تداعيات الحرب، أصبحت «دول مجلس التعاون الخليجي» على قناعة بأنّ وضع كل بيضها في السلة الأميركية كان من قبيل المقامرة والمخاطرة بأمنها، وبات من الضروري مراجعة هذا الخيار، وعدم الاستمرار في التعويل على الولايات المتحدة وحدها في الحماية، بخاصةٍ في ظل سياسة احتوائية لا تراعي مصالح حلفائها، ولا تولي مخاوفهم الأمنية أي اعتبار، وهذا يفسّر أهمية وجود قوة أخرى موازية تحقق الاستقرار، وتبعث على الاطمئنان، لذلك تُعد تركيا وباكستان ركنين أساسيين في هذا الحلف بما تمثلانه من ثقل استراتيجي في العالمين العربي والإسلامي، وما يربطهما بدول الخليج من مصالح وعلاقات متينة.
وما من شك في أنّ تركيا تملك صناعات دفاعية متقدمة، وجيشًا قويًا. وتملك باكستان قوة عسكرية ونووية، بينما توفّر السعودية التمويل، والوزن الجغرافي والاقتصادي. وإذا ما قررت دول الخليج الانضمام، فهذا قد يمنحها ردعًا إضافيًا، وتنويعًا لشراكاتها الأمنية، لكنه قد يجرّها أيضًا إلى صراعات لا تريدها بحسب اختلاف مصالح دول «مجلس التعاون»، وتباين رؤاها السياسية.
ومن المرشحين المحتملين مستقبلًا للانضمام إلى «حلف مكة»، وتوسيع عضويته: مصر، قطر، والكويت مع اختلاف احتمالات كل منها. فمصر دولة مهمة عسكريًا، لكن يبدو أنّ هناك تحفظات غير معلنة حتى الآن سواء من جانبها، أو من جانب دول «الحلف» الثلاث. بينما قطر، وبحكم قربها من تركيا ومصالحها الاستراتيجية المتنوعة معها، فهي مرشحة جدًا لدخول «الحلف» خصوصًا وأنّ السعودية تُعدّ عمقها الاستراتيجي. أمّا سلطنة عمان وبحكم سياسة الحياد التي تتبعها في كثير من القضايا وسعيها الدائم لتجنب سياسة الاصطفاف، فمن غير المرجح أن تنضم إلى “الحلف” في المستقبل المنظور.
لا يمكن اعتبار «حلف مكة» بديلًا فوريًا عن الولايات المتحدة، لكنّه تأمين ضد احتمال تراجع مظلة الحماية الأميركية في منطقة الخليج التي باتت على قناعة بأنّ رهانها على «الأمن المستعار» الحامي الوحيد لأمنها، كان مخاطرة، لذلك آن الأوان لتغيير آليات تأمين المنطقة وحماية مصالحها. وهذا «الحلف» يشكّل خطوة أولى في هذا الاتجاه، ويبعث برسالة مهمة إلى العالم بأنّ الدول الإسلامية الكبرى أضحت قادرة على أن تفكر في أمنها وسلامتها بما تملكه من قوة، وما تطوّره من سلاح، وما تختزنه من قدرات متنوعة. وإلى جانب هذه الرسالة، تحمل مكونات «الحلف» مسؤولية إقليمية مشتركة طال انتظارها، ولم يعد هناك أي مبرّر لتأجيلها.
الاتفاق وفق نظرة الأطراف المشاركة فيه
يؤكد الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان أنّه من الخطأ اختزال الاتفاقية في اعتبارها مجرد انعكاس ظرفي للتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، موضحًا أنّه لا ينبغي النظر إلى الأمر بالاقتصار على البعد العسكري، فالهدف الأساسي من هذه الاتفاقية هو تعزيز بعدها الردعي، وتحصين الوازع الأمني لدى الأطراف من خلال تقوية روح التضامن في ما بينها، وحماية الاستقرار الإقليمي.
ويقول الرئيس أردوغان في حديث إلى صحيفة «الشرق الأوسط»: إنّ فكرة «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» جاءت نتيجة للأوضاع الجديدة التي فرضتها التطورات التي شهدتها منطقتنا، وانطلاقًا من وعي الدول الثلاث بمسؤولياتها المشتركة.
بدوره، كتب الأمير السعودي تركي الفيصل مقالًا رأى فيه أنّ إقامة التحالفات للتعامل مع تهديدات أمنية وعسكرية آنية أو مستقبلية متوقّعة، حق مشروع للدول بموجب القانون الدولي، وممارسة طبيعية عبر التاريخ الدبلوماسي للعالم. والأحلاف – من وجهة نظره – لا تقوم إلّا بين دول مسؤولة تتّفق قراءتها الاستراتيجية على طبيعة المهدّدات لأمنها واستقرارها، وأمن واستقرار فضائها الجيواستراتيجي. والدول المتحالفة في «اتفاقية مكة» تتّفق في هذه القراءة في ضوء الحروب التي تشهدها المنطقة، وفي ضوء توقّع الفراغ الاستراتيجي الذي سوف تخلّفه هذه الحروب، وانعدام توازن القوى، ونهاية النظام الإقليمي الذي كان سائدًا في العقود الماضية.
من جهته، علّق رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف على «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، مؤكدًا أنّها محطة مفصليّة في مسار التعاون المشترك بين الدول الثلاث الشقيقة، وأنّها تبعث رسالة وحدةٍ وسلام في أنحاء المنطقة كافة، وليست أداة للتصعيد.
اليونان وإسرائيل: ”درع أخيل“
في ظلّ المتغيّرات الجيوستراتيجية التي يشهدها العالم، وتحديدًا الشرق الأوسط، ربما مهّد «اتفاق مكة» الطريق أمام «الاتفاق اليوناني – الإسرائيلي» العسكري، بعدما شكّلت أنقرة الوزنة الوازنة في التحالف السعودي – التركي – الباكستاني.
وكانت «إسرائيل» واليونان قد وقّعتا الإثنين 31 آب 2026 اتفاقًا دفاعيًا بقيمة 3.035 مليارات يورو لإنشاء «درع أخيل»، وهو مشروع لبناء مظلة دفاعية متعددة الطبقات فوق الأراضي والجزر والمواقع الحيوية اليونانية. إنّه نظام يوناني متكامل للدفاع الجوي والمضاد للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
واستُوحي الاسم من درع أخيل بطل «الإلياذة» في الأساطير اليونانية، الذي صُنع من طبقات متتالية، وهو يُعبّر عن شبكة تتولى فيها كل طبقة مواجهة نوع مختلف من التهديدات الجوية والصاروخية.
وتُعد الصفقة الأكبر في تاريخ العلاقات الدفاعية بين البلدين، وإحدى أكبر صفقات تصدير السلاح الإسرائيلية، وتضم 3 منظومات اعتراض:
1 – «مقلاع داود» من شركة «رافائيل»، وهو الطبقة الأعلى في الحزمة. تستخدم هذه الطبقة صاروخ «ستنر» لاعتراض الصواريخ الباليستية التكتيكية والجوالة، والتهديدات الجوية متوسطة وبعيدة المدى، وستكون اليونان ثاني دولة أجنبية تمتلكها بعد فنلندا.
2 – «سبايدر» من «رافائيل»، وهي منظومة متحركة لاعتراض الطائرات والمروحيات والمسيّرات، والصواريخ الجوالة، والذخائر الدقيقة. وتغطي نسخها، وفق المواصفات المنشورة، مديات تراوح بين 20 و 80 كيلومترًا.
3 – «باراك إم إكس» من «الصناعات الجوية الإسرائيلية»، وتتعامل مع الطائرات والمسيّرات والصواريخ الجوالة، وبعض التهديدات الباليستية. وتضم عائلة النظام صواريخ بمديات معلنة تبلغ 15 و35 و70 و150 كيلومترًا.
تشمل الصفقة أيضًا رادارات «إم إم آر» متعددة المهام، من شركة «إلتا»، ونظامًا وطنيًا جديدًا للقيادة والسيطرة تطوره «رافائيل» لربط جميع المكونات.
تعمل هذه المنظومات معًا، إذ تكتشف رادارات «إم إم آر» الطائرات والمسيّرات والصواريخ وقذائف المدفعية والهاون، وتنقل بياناتها إلى مركز القيادة والسيطرة. ويحدد المركز نوع الهدف ومساره، ثم يختار منظومة الاعتراض المناسبة له. ويمكن استخدام «سبايدر» ضد تهديد قريب أو منخفض. و«باراك إم إكس» على مدى أبعد، و«مقلاع داود» ضد تهديد صاروخي أكثر خطورة. ويسمح هذا الربط بتوحيد الإنذار، والقرار، وإدارة صواريخ الاعتراض ضمن شبكة واحدة. ولا تشمل قائمة الأنظمة المعلنة «القبة الحديدية»، أو منظومات «آرو» المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وخارج الغلاف الجوي.
ووقّع البلدان عقدًا إضافيًا بقيمة 26 مليون يورو لشراء منظومات «درون دوم» من شركة «رافائيل»، مهمتها اكتشاف المسيّرات وتتبّعها وتعطيلها لحماية المطارات والمنشآت العسكرية ومراكز الطاقة والمواقع الحيوية.
وأعلنت أثينا أنّ المنظومة ستصبح جاهزة بالكامل خلال 35 شهرًا، فيما حدد التلفزيون اليوناني الرسمي تموز 2029 موعدًا لاكتمال انتشارها، ومن المتوقع أن تدخل المكوّنات الخدمة تدريجيًا قبل تشغيل الشبكة بكاملها.
وقالت وزارة الدفاع اليونانية إنّ 19 شركة محلية تشارك في تنفيذ البرنامج، وإنّ قيمة الأعمال المخصصة للصناعة اليونانية تبلغ نحو 750 مليون يورو، أي قرابة ربع قيمة الصفقة.
ويتضمّن الاتفاق نقل معرفة وتكنولوجيا وإنشاء قاعدة إنتاج في اليونان تمتلك فرصًا للتصدير. وتعتزم أثينا دمج منظومات «باتريوت» الأميركية في البنية الجديدة، مع استبدال عدد من الأنظمة الروسية والقديمة تدريجيًا.
ويبقى السؤال: هل الصفقة موجهة ضد تركيا؟
لا يذكر الاتفاق الموقّع بين الدولتين تركيا بالاسم، وقدمت أثينا المشروع باعتباره تحديثًا لدفاعها في مواجهة التهديدات الجوية والصاروخية الحديثة.
لكنّ الصفقة تأتي في ظل خلافات يونانية – تركية مزمنة بشأن بحر إيجه، والمجال الجوي، والحدود البحرية، وقبرص. وعند إعلانها، تحدّث وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن مواجهة البلدين «تحديات إقليمية مشتركة» و«جهات ذات طموحات هيمنية»، من دون تسمية دولة بعينها.
الولايات المتحدة وفنزويلا: اتفاق نفطي غير مسبوق
بعيدًا عن قرقعة السلاح والعسكر وجبهات الحديد والنار، أعلنت واشنطن عن اتفاق نفطي غير مسبوق مع الحكومة الانتقالية في فنزويلا برئاسة ديلسي رودريغيز، لتفتح بذلك فصلًا جديدًا من التداخل بين المصالح العسكرية والأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة في منطقة أميركا اللاتينية وجزر الكاريبي.
وكشفت صحيفة «واشنطن بوست» بعض بنود الاتفاق، إذ تمنح الصفقة واشنطن السيطرة على مشاريع نفطية تضم نحو ربع احتياطات فنزويلا النفطية غير المستغلة، وتشمل 17 حقلًا نفطيًا تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لإنتاج النفط ونقله.
وتنص الصفقة التاريخية على أن تصبح الولايات المتحدة أكبر مالك في شركة نفطية مشتركة جديدة، ستملك عقودًا تمتد لـ 100 عام في عدد من حقول النفط الفنزويلية، وفق «واشنطن بوست».
ستوزّع حصة الحكومة الأميركية في الشركة الجديدة بين ملكية الأسهم، وضمانات لشراء النفط المنتج بسعر التكلفة، بهدف إعادة ملء الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي. وسيتولى «البنتاغون» عبر «مكتب رأس المال الاستراتيجي» الإشراف على تراخيص حقول النفط، والمساعدة في تمويلها في فنزويلا.
تضع الصفقة وزير الخارجية ماركو روبيو أمام مفارقة سياسية حادة وهي اضطراره إلى التعاون مع حكومةٍ تنتمي إلى معسكر ظلّ لسنواتٍ طويلة يدعو إلى إسقاطه.
حصة البنتاغون
تقضي الترتيبات المعلنة – وفق صحيفة نيويورك تايمز – بإقامة شراكة مع شركة «نورث أميركان بلو إنرجي بارتنر» المملوكة لرجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكورت لوبيز. ويمنح الاتفاق «البنتاغون» حصة تصل إلى 35 بالمئة في الشركة الأم عبر أدوات مالية تعرف بـ «أذون الشراء بسعر السنت الواحد»، إلى جانب حصول الحكومة الأميركية على نسبة مضمونة تبلغ 20 بالمئة من إنتاج الشركة بسعر الكلفة، ومنح وزارة الخارجية حق الشراء الأول للـ 80 بالمئة المتبقية، مع اشتراط حيازتها سلطة النقض «الفيتو» على تعيين أعضاء مجلس الإدارة، واشتراط أن تكون غالبيتهم من المواطنين الأميركيين.
لكنّ الصفقة – وفق نيويورك تايمز – أثارت اعتراضات داخل الكونغرس. ونقلت الصحيفة عن السيناتور الديمقراطي جاك ريد، العضو الأبرز في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، أنّ محاولة الرئيس دونالد ترامب «تحويل الجيش الأميركي إلى مستثمر في النفط الفنزويلي» تمثّل – في رأيه – إساءة صارخة لاستغلال السلطة وأموال دافعي الضرائب، مطالبًا بالكشف عن الأساس القانوني للخطوة وشروطها المالية الكاملة.
أبدت الصحف الأميركية اهتمامًا بهذه الصفقة لما لها من تداعيات اقتصادية وسياسية في الداخل الأميركي. وأثارت في الوقت نفسه «قلقًا دوليًا من اليد الطولى للولايات المتحدة، وشهيتها المفتوحة في موارد الآخرين».
وأمام هذه التحولات الجيوسياسية، والجيواستراتيجية الممتدة من شواطئ مضيق هرمز، إلى شواطئ فنزويلا، يمكن الاستنتاج بأنّ العالم يتغيّر. والتحالفات تنبت كالفطر. والاضطرابات تنزلق على منحنيات الزمن لتصبغ القرن الحادي والعشرين بتحولاتٍ اقتصادية عنيفة، ربما تؤشر إلى حرب عالمية أبطالها ووقودها جيّاع العالم؟!










