د. هيام كيروز – كاتبة وباحثة
يوم انضمّت مالطا إلى الاتّحاد الأوروبي في مطلع أيار 2004 مع 9 دول أخرى، لم يكن هناك إجماع وسط المالطيين على هذه الخطوة. فقط 53 في المئة قالوا ”نعم“ للانضمام. لكنّ المفارقة أنّه بعد 20 عامًا، تحوّلت هذه الجزيرة المالطية الواقعة بين تونس وليبيا إلى إحدى أكثر الدول تمسّكًا والتصاقًا بمجموعة الــ 27 الأوروبية، التي ترى غالبية المالطيين (نحو 70 في المئة) أنّها مصدر قوة ورفاهية ورقيّ لبلادهم الغارقة في تقاليد وأنماط عيش لم تَعُدْ متوافقة مع قطار التطوّر السريع، وعصر التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي.
أول غيث «العدوى الأوروبية» كان تحوّل الجزيرة إلى حاضنة للشركات الناشئة والمؤسسات المندمجة (Trusts) التي تبغي الانتشار والهيمنة في المجال الصناعي، والتجاري والخدماتي. واقترنت هذه الطفرة مع تسهيلات ضريبية للمستثمرين الأجانب، وحتى لأبناء البلد الطامحين للخروج من «تقاليد» الفنادق والمطاعم والصيد البحري وورش السفن إلى «الحالات الجديدة» المرتبطة بعالم المال والبورصات والإلكترونيات. وعلى الرغم من «الخطوة الأوروبية» في مؤسّسات الأرخبيل المالطي وشوارعه، فإنّ الباحثة Béatrice Hibou ترى أنّ سياساته يمكن وصفها بــ «الحافة الأوروبية» أو بــ «الهامش الأوروبي»، لأنّها لا تنتظم في ثوابت «الاتحاد» حيث المعايير والآليات صارمة ولا تقبل التجاوزات أو التلاعب بها. وهنا تؤكّد Hibou أنّ «الحركة العامة تعمل على هامش الأنظمة والقوانين والسقوف المحدّدة والمضبوطة، من خلال هندسات تشريعية ترمي إلى منح حقوق استثنائية للشركات والأفراد، على حساب الانتظام العام والرسمي». ولذلك، تراهن الجزيرة على موجة من الشركات الناشئة والكارتيلات، مع منظومة التسهيلات وخفض الضرائب من خلال رجال النخبة لديها، هؤلاء الذين عملوا في العواصم الأوروبية ومدن أميركية، وعادوا إلى فاليتا (عاصمة مالطا) بعدما اكتسبوا خبرات وتقنيات «المال الجديد» و«الاستثمارات النوعية» وتثمر عوائدها المجزية أحيانًا.
ازدهار غير مسبوق في العواصم الأوروبية
وجدت السلطات المالطية المتعاقبة ضالّتها الاقتصادية-التنموية في «التروستات»، هذه الأدوات المالية التي تسمح للأثرياء الكبار بخفض المترتبات الضريبية على مجموعة أصولهم وثرواتهم، فضلًا عن نفقات التوريث المرتفعة في الحيّز الأوروبي. ومضت الجزيرة المتوسطية أبعد في ألاعيب المال، وطوّرت تشريعات ملائمة لما يُسمّى Gambling، وهي المقامرة وعقد الرهانات المالية، ليس فقط في الكازينو أو صالات فنادق خمس نجوم المترفة، بل أيضًا عبر منصات وتطبيقات تتيح اللعب عن بعد. وثمة سلطة خاصة، مركزها فاليتا، تُدعى اختزالًا MGA، أي هيئة الألعاب المالطية، ترعى مجمل أشكال الأنشطة، بما في ذلك الكازينوهات واليانصيب، وتسهر على ضبط المجريات والحيلولة دون حدوث غسل أموال أو تهريب مدّخرات، وضمان النزاهة والشفافية ومعايير الجودة، ويعود تأسيس هذه المظلة إلى العام 2001. وفي العام 2004، أصبحت الجزر المالطية أول دولة في الاتحاد الأوروبي تسنّ تشريعًا شاملًا خاصًّا بالمقامرة عن بعد أو أونلاين. ومع الوقت وتراكم الخبرة واستدرار الربحية، تحوّلت مالطا إلى عاصمة الألعاب الإلكترونية في المجموعة الأوروبية. وهذا الرافد، إلى جانب روافد أخرى، مثل السياحة ورياضات الماء، دفعت اقتصاد الجزيرة إلى حالة من الازدهار غير المسبوق في عواصم القارة العجوز بين 2005 و2025. وتبيّن أنّ فاليتا الباحثة دومًا عن الأفضل، استغلّت موقعها على الحافة الأوروبية لكي تلعب على لوحتين: اندماج في الفضاء الأوروبي وتطوير متواصل لموارد جديدة. وفي هذا السياق بالذات، تندرج السابقة المثيرة للجدل، المعروفة باسم «الجوازات الذهبية»، التي هزّت الجزيرة في العام 2013، وتمثّلت في بيع الجنسية المالطية، وبالتالي الأوروبية مقابل 650 ألف يورو. وارتفع السعر لاحقًا إلى 750 ألف يورو.
درّة التاج المالطي
أثار برنامج «الجوازات الأوروبية» غضب البرلمان الأوروبي وتحفّظاته، وفي نيسان 2025، تلقّت محكمة العدل الأوروبية مطالبة بطعنٍ قضائي، فتلقّفت الكرة، وألغت برنامج الجوازات الذهبية بحجة «انتهاك مبدأ التعاون الصحيح» بين الدول الأعضاء. لكن سلطات الجزيرة أصرّت على الالتفاف على قرار المنع الأوروبي وصاغت برنامجًا بديلًا في صيف 2025 يسمح بتجنيس مواطنين أجانب من فئة الأثرياء لكن من دون تحديد المبلغ المالي المطلوب لهذه العملية بشكلٍ صريح. وفي قراءة باحثين من جامعة بروكسل الحرة، أنّ «السياسات المالطية لا تتواءم أحيانًا مع قواعد مجموعة الــ 27، وهدفها استثمار إيرادات الأوضاع التي يجود بها الانتماء إليها». بالطبع، ثمة من يلاحظ كيف أنّ مستوى المعيشة ارتفع نوعيًّا خلال عقود معدودة، الأمر الذي لم تشهده دول أعضاء أخرى، وبهذه الدينامية المشهود لها. ويدافع الباحث في «لوموند» الفرنسية Allan Kaval، عن منهجية الحكم وخياراته وأولوياته في فاليتا، قائلًا إنّ الجزيرة لا تمتلك سهولًا كبيرة للزراعة، ولا مصانع عملاقة، ومهاجروها لا يدعمونها بالمبالغ الطائلة، ولذلك أقدمت على استغلال موقعها وصوغ برامج تمدّها بالمال اللازم لتسيير الشأن العام والارتقاء به إلى مستويات رفيعة. وهذا هو سر اقتصاد الأفشور، الذي تبلورت ملامحه وآلياته ومترتّباته.
جاذبيات تاريخية وسياحية
لعلّ السياحة هي درّة التاج في مالطا، ومنذ سبعينيات القرن الماضي، اجتذبت كبار مالكي الفنادق في العالم، ومنحتهم إعفاءات ضريبية دسمة، ما سمح لها بامتلاك شبكةٍ فندقية مترفة وحزامٍ من الشقق السياحية الفاخرة في قلب العاصمة التي يقصدها الأوروبيون بحثًا عن الدفء ورياضات الماء.
وكما تغتسل الجزيرة في مياه المتوسط، فهي تغتسل أيضًا في التاريخ القديم والحديث. من هنا، هي أقرب إلى متحف كبير في الهواء الطلق، وتغفو على تشكيلة غنية من المتاحف والمواقع الأثرية التي توثّق تاريخًا يمتدّ حسب خبراء علوم الآثار والأركولوجيا لأكثر من 7000 عام، وتديرها وكالة Heritage Malta. وأفردت فاليتا لهذه الثروة التاريخية متحفًا وطنيًّا وعسكريًّا، ومعابد حجرية مصنّفة ضمن تراث اليونسكو، وملاجئ محفورة في الصخور لتجنّب مفاعيل الغارات الجوية. ولا شكّ في أنّ المتحف الوطني للآثار ليس مجرّد معروضات وقطع قديمة، بل بوابة إلى عالم الأرخبيل المترامي في القِدَم. فإلى المضمون المثير، هناك تصميم المبنى الباروكي المذهل وكأن كل ركن من أركان هذا المتحف يروي قصة صمود وثبات في الزمن إضافة إلى التبادل الثقافي، فقد لعبت الجزيرة دومًا دور الجسر الحضاري بين العالم القديم والحديث، والشرق والغرب. وفي جاذبيات الجزيرة أيضًا حوض أسماك مالطا الوطني، ومتحف مالطا البحري الذي يضم سفنًا ومراسي وقوارب ومخطوطات تؤرّخ لتقاليد العوم والغطس والإبحار مع الأدوات واللوازم المترافقة مع هذه الأنشطة. ويُصاب السائح بتخمةٍ متحفية على الرغم من المساحة الضيّقة للجزيرة حيث تمّ استغلال أي شبر من الأرض للبناء والعمران. ولذلك تتلاصق العمارات والبيوت في شوارع فاليتا، وهي العاصمة التاريخية والرئة الاقتصادية والواجهة السياحية بمعالم ساحرة وعريقة، مثل كاتدرائية سانت جون، وقصر غراند ماستر، كما في شوارع مدينا وأحيائها، وهي العاصمة القديمة المعروفة بلقب «المدينة الصامتة»، ربما لأنّها تتكوّر على نفسها خلف أسوار فينيقية عتيقة، وتتشابك في داخلها أزقّة عنكبوتية ضيّقة. وتطلّ علينا، بعد ذلك، مدينة سان جوليان الواقعة شمالي العاصمة، وتجتذب السياح بمطاعمها ومقاهيها وأنشطتها الترفيهية، فضلًا عن حياتها الليلية التي تتوقّف عند خيوط الفجر الأولى وصياح الديوك المالطية. وفي هذه اللائحة بالذات، تتموضع مدينة سليمة (Sliema)، وهي منطقة تسوّق رئيسية، مع إطلالة جميلة على فاليتا. ومن هذه الساحات، اللوحات إلى جزيرة غوزو (Gozo) التي لا يمكن الوصول إليها إلّا على متن القوارب، وشقيقتها جزيرة كومينو (Comino)، ذات المشهدية البانورامية الخلّابة، تتوسّطها «البحيرة الزرقاء»، ذات المياه الفيروزية والرمال الناعمة البيضاء، وثمة نقطة جذب سياحي أخرى هي المطبخ المالطي الذي يجمع بين النكهة العربية والمذاق الإيطالي والشواء التركي. ومنذ أعوام قليلة، تصدّر الأرخبيل المتوسّطي صدارة الجزر التي تُحيي الأعراس في أجواء باذخة، ويقصده كثيرون لقضاء شهر عسل رومنسي على إيقاع البحر والتاريخ ووسط حوريات الماء.
ملتقى للحضارات
من أين تستمد الجزيرة الصغيرة (مساحتها 316 كلم2، ويزيد عدد سكانها قليلًا عن 570 ألف نسمة) كثافتها التاريخية والحضارية المميزة؟ يتّفق الباحثون الأوروبيون في سوسيولوجيا التاريخ على أنّ مالطا تشكّل بموقعها الوسطي في المتوسط، ملتقًى فريدًا للحضارات ومحطة استثنائية لتيارات الفكر ومختلف أنواع الجماليات، كما أنّها لعبت دومًا دور الجسر بين قارتي أوروبا وأفريقيا. ويلفت هؤلاء المنقّبون في بطون الحضارات إلى أنّه في ضوء موقعها على مفترق الطرق القارية، وبسبب هذا الموقع بالذات، تعاقب عليها عبر التاريخ، العديد من الغزاة والفاتحين، وبعض التنويريين، ورثة الحضارة الإغريقية ورموزها. وترقى الآثار الأركيولوجية الأولى فيها إلى نحو 7 الآف سنة قبل الميلاد، أي إلى ما قبل بناء الأهرامات في مصر، وحتى قبل قيام سور الصين العظيم. وتبدأ المحطات التاريخية الكبرى في الأرخبيل في عصور سحيقة تمتد نحو 5200 ق.م. في هذه الأزمنة الأولى من الأوديسة البشرية، بُنيت معابد حجرية عملاقة، ثم حضر الفينيقيون والقرطاجيون واتّخذوا من الجزيرة محطة للتبادل التجاري وأطلقوا عليها اسم «الملاذ الآمن». ودقّت ساعة الرومان والبيزنطيين، فتركوا بصمات حضارية لا تُنسى، ودخل التونسيون في العام 870 بعد الميلاد، وأثّروا عميقًا في الثقافة واللغة المالطية الحالية التي هي مزيج من مفردات عربية وإيطالية وإنكليزية، بفعل الاستعمار البريطاني الذي دام 164 عامًا. وفي القرون الوسطى، خضعت مالطا لنفوذ النورمان (إحدى سلالات الشعب الفرنسي التي تمركزت تاريخيًّا في دوقية النورماندي) الذين تحالفوا مع الفايكينغ الوافدين من اسكندينافيا (كان ذلك في العام 1095)، وصارت مالطا عندئذٍ جزءًا من إمارة صقلية، قبل أن تنتقل إلى حكم الإسبان ومملكة الأراغون، وحاول العثمانيون اقتحام أسوارها، فصدّهم «الفرسان» في العام 1565، وبنوا العاصمة الحالية فاليتا. ومن هنا جاءت تسمية «فرسان مالطا»، وهي منظمة إنسانية مقرها روما، وعدد أعضائها يناهز 14 ألف شخص في أنحاء العالم. وسبحة الأقوام والإتنيات تواصلت في حكم الجزيرة مع الاحتلالَين الفرنسي والبريطاني (1798 – 1964) حيث أدّت دورًا استراتيجيًّا في الحرب العالمية الثانية. حصلت على استقلالها عن التاج البريطاني في 21 أيلول 1964، ثم أصبحت جمهورية (1974)، وانضمّت إلى الاتحاد الأوروبي في العام 2004، وفي 1 كانون الثاني 2008 اعتمدت اليورو عملة رسمية فحلّ مكان الليرة المالطية.
مخاطر آتية من البحر
اللّافت أنّ الأرخبيل المالطي لا يملك أي صناعات عسكرية أو حتى أي قطاع لتصنيع الأسلحة، وهو يعتمد، في شكل كامل، على الاستيراد والمشتريات الخارجية لتأمين احتياجاته العسكرية والأمنية والدفاعية. وتشرف على الجانب التسليحي واللوجستي مجموعة شركات AFM التي تتعامل مع المصانع الدولية، وأبرزها في إيطاليا، والولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة (بريطانيا). وبدلًا من التصنيع، تُرَكّز فاليتا على خدمات الصيانة والدعم اللوجستي. وثمة منشآت متخصّصة في ذلك تدعى Hay Wharf مجاورة لـ «قاعدة لوقا» و«مطار لوقا»، وتستعين بمزوّدي خدمات الطيران التجاري في مهمات الصيانة وتمديد عمر الطائرات. وعلى مستوى القوة الدفاعية، تمتلك الجزيرة ما يقارب حجم لواء عسكري واحد، تتركّز أولوياته في حماية الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، ومكافحة الهجرة غير الشرعية والتهريب. وفي الفترة الأخيرة، تَرتّب على الجمهورية المالطية إنقاذ مئات المهاجرين غير الشرعيين من عرض البحر الأبيض المتوسط، بعد تهالك القوارب أو السفن التي تقلّهم، ويتم اقتيادهم مؤقّتًا، قبل توزيعهم على دول المجموعة الأوروبية بالتساوي، إلى قاعدة هاي ورف العسكرية. وقد ترتب على القوّة البحرية المالطية العديد من مهمات الإنقاذ بعدما رفضت إيطاليا استقبال أي مهاجر غير شرعي أفريقي، خصوصًا في جزيرة Lampadusa التابعة لجزيرة صقلية، هي أقصى نقطة في جنوب إيطاليا. وتستغرق رحلة القوارب من السواحل الليبية (مدينة زوارة مثلًا) إلى لامبيدوزا نحو 25 ساعة بحرًا (290 – 300 كلم). ولا شك في أنّ السياسة الدفاعية المالطية يتحكّم فيها الإعلان الدستوري عن الحياد منذ العام 1980. وهذا النظام يمنع انتشار جنود أجانب في الجزيرة ويحول دون استخدام منشآتها لأغراض عسكرية أجنبية أيضًا، باستثناء تفويض صادر عن مجلس الأمن أو في إطار الدفاع المشروع. لكنّ انضمامَ الجزيرة إلى المجموعة الأوروبية واحتماءَها تحت مظلّتها الأمنية – الاستراتيجية غيّر في معطيات هذه المعادلة منذ 2004، وبات الوجود العسكري الأوروبي متاحًا، إمّا لأغراض التمارين المشتركة أو في ضوء اتفاقيات ثنائية سابقة للدخول إلى النادي الأوروبي، وهذا الأمر ينسحب على اتّفاقية قديمة مبرمة مع إيطاليا، وتلحظ شؤون التدريب والتأقلم مع منظومات أسلحة جديدة، فضلًا عن التعاون في أمور البحث والإنقاذ. وما تزال هذه الاتفاقية سارية المفعول حتى اليوم، واتّفق الطرفان في بداية حزيران الماضي على تطويرها وتحديثها للاستجابة للتحدّيات الراهنة وتعزيز قدرات الجزيرة بحرًا وجوًّا.
ورشة تحديثات عسكرية
وفق معهد الدراسات والأبحاث حول السلام في استوكهولم، والمعروف في أوساط الخبراء باسم SIPRI، فإنّ الانفاق العسكري الدفاعي المالطي يراوح بين 0،5 – 0،6 في المئة من الإنتاج الوطني الخام (PIB)، وتتركّز المشتريات على استبدال التجهيزات البحرية المتقادمة وتحسين تكنولوجيات المراقبة. وكان واضحًا أنّ السلطة العمّالية الحاكمة في فاليتا سعت إلى إدماج طائرات الدرون في منظومتها الجوية لتعزيز قدرات الدوريات البحرية. وكان لا بدّ تبعًا لهذا التوجّه، من تحديث البنى التحتية والمنصات الخاصة بالسرب الجوي في قاعدة Luga وفي القاعدة البحرية في هاي وارف، لاستقبال أنظمة التقاط أكثر تعقيدًا وسفن دورية أكبر حجمًا. واللافت أنّ تطوّر العقيدة العسكرية، كما يصوغها الاستراتيجيون في فاليتا، يُركّز على الأمن السيبراني وحماية البنى التحتية للغواصات الخطرة والحرجة، مثل نظام الوصل أو الربط الكهربائي وقاعدة البيانات بين جزيرتَي مالطا وصقلية المتوسطتَين. وفي أحدث إعلانات الميزانية العامة الصادرة عن حكومة روبير أبيلا، يبرز تركيز خاص على مرحلة مهمّة من تحديث وتطوير القوات المسلحة المالطية (AFM)، تشمل البنى التحتية والقدرات الجوية، وتطويع جنود. ونظرًا للخطر الآتي من البحر حيث ينشط مهربون، وقراصنة، وشبكات إتجار بالبشر، فإنّ الأولوية التي رسمتها وزارة الدفاع تتعلّق بالطائرات وسفن الدورية. كما أنّ جهدًا خاصًا يُبذل للحصول على طوافات لتعزيز طاقات وحدة العمليات الخاصة (UOS) حديثة العهد، وهي بمثابة قوّة تدخّل سريع تدرّبت على يد ضباط إيطاليين، كما استوعبت وحدة نزع الألغام روبوتات ذات تكنولوجيا نوعية. وهذه الورشة متعدّدة الأبعاد تنقل مالطا من عصر إلى آخر، وقد تَوّجها وزير الدفاع بايرون كاميليري بالتفاهم مع قائد القوات المسلحة، الفريق كلينتون أوتيل، برفع مرتّبات كل العاملين في القطاعات العسكرية مع زيادة خاصة، وتعويضات ومكافآت للعاملين في مجال الإلكترونيات، والأمن السيبراني، وطائرات الدرون.
يُذكر أنّ فاليتا بادرت في نهاية أيلول 2025 إلى الاعتراف بدولة فلسطين مع مجموعة من الدول في توقيت واحد، هي بريطانيا، وكندا، وأستراليا، والبرتغال. والثابت أنّ لمالطا تاريخًا من دعم المسألة الفلسطينية، ومساندة الجهود الرامية إلى حل الدولتين، غير أنّها تحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات دبلوماسية مع «إسرائيل»، وهذه البراغماتية نسخة عن سياسة حزب العمّال البريطاني (Labour Party) الذي يتماهى مع الحزب العمّالي المالطي حتى بالاسم.
المراجع
1- Le Monde – Paris ,Le bilan du monde , Géopolitique – Énvironnement – Économie , Édition 2026.
2- L’Europe, joural mensuel – Politique – Économie, Relations Internationales- N°8 – Janvier 2026.
3- Histoire de l’Île de Malte de Loick Portelli , Les éditions du Menhir , Paris , 6 Avril 2021.
4- Alex Bugeja, Une histoire de Malte- les îles maltaises de la préhistoire à nos jours,Kindle , Paris ,2026.
5- Jean-Marie Miossec, Malte et les Maltais,L’Harmattan, Paris, 2025.
6- Michèle Muscat ,L’Héritage impensé des Maltais de Tunisie, L’Harmattan – Paris ,2011.
7- Daniel Rondeau, Malta Hanina, Folio, Paris, 2013.
8- Didier Destremau, Le Fabuleux destin de Malte, Editions du Rocher – Paris, 2006.







