جان دارك أبي ياغي
عند أقصى نقطة في شمال لبنان، حيث يعانق البحر الأبيض المتوسط سهل عكار الذهبي، تقع بلدة القليعات. بلدة لا تشبه سواها… تتميز بهوائها النظيف، وهدير الموج، وبسمة المزارع المتمسك بأرضه، وتُعد شريانًا حيويًا في ”سلّة لبنان الغذائية“ وملاذًا وادعًا بعيدًا عن ضجيج المدن.
وراء هذا المشهد الهادئ، قصص ناس وأرض، وتاريخ، ومستقبل، وتحديات. بين أرضٍ معطاء، وقلعة تختزن قرونًا من التاريخ، ومطار يستعدّ لاستعادة دوره، تبدو القليعات اليوم أمام مرحلة مختلفة، عنوانها التنمية والسياحة والاستثمار.
تتربّع بلدة القليعات على الساحل الشمالي لعكار، على بعد حوالى عشرين دقيقة من طرابلس، ضمن تجمّع للقرى يُعرف بمنطقة السهل في عكار. يحدّها من الشرق بلدة تل معيان، ومن الشمال الشيخ زناد، ومن الجنوب حارة البحر، ومن الغرب شاطئ البحر المتوسط. وتشكّل نقطة التقاء فريدة بين ثلاثة عناصر: البحر، السهل، والمطار.
من جهةٍ، بحرٌ أزرق مفتوح على الأفق، وشواطئ رملية لم تمسّها فوضى الحداثة. ومن جهةٍ ثانية، تحضن البلدة سلال لبنان الأكثر وفرة من الحمضيات والموز، حيث تمتد بساتينها الغنّاء لتلامس الأفق، وتستقبلك بأريج زهرها الفوّاح قبل أن تطأها قدماك. أمّا مناخها المعتدل فيأسر القلوب بشتاءٍ دافئ ينبض باخضرار الطبيعة ورائحة الليمون، وصيفٍ عليل تنعشه النسمات البحرية التي تلطّف الحرّ.
من الحلم إلى ورشة العمل
تُتوَّج مزايا البلدة بمطارها التاريخي، الذي يجري العمل على إعادة تأهيله، ما يمكن أن يشكّل نقطة تحوّل في مستقبل عكار والشمال، ويفتح الباب أمام حركة اقتصادية وسياحية جديدة. ففي السادس من حزيران 2026، وفي لحظةٍ وُصفت بالتاريخية بالنسبة إلى الشمال وعكار، انطلق مسار تأهيل مطار رينيه معوّض – القليعات وإعادته إلى الخدمة، بعد عقودٍ من المطالبات بتشغيله كمطارٍ مدني إلى جانب مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت. وبحسب رئيس لجنة متابعة تشغيل المطار، حامد زكريا، انطلقت ورشة العمل في 8 حزيران، فيما التزمت شركة «سكاي لاونج» أمام الدولة اللبنانية بإنشاء مبنى مؤقت للمسافرين خلال مهلة 90 يومًا، على أن يشكل هذا المبنى حلًا مرحليًا ضمن خطة تشغيل تمتد لأربع سنوات.
وأوضح زكريا أنّ المهلة المحددة لإنجاز المبنى تنتهي مطلع أيلول، لتبدأ بعدها بعثة من المنظمة الدولية للطيران المدني بإجراء اختبارات تستمر نحو شهر، وتشمل عمليات الهبوط والإقلاع والإخلاء وإجراءات السلامة، ومن المفترض أن يبدأ تشغيل المطار في تشرين الأول الحالي، مع إقلاع أول طائرة منه.
في المرحلة الأولى، لن يعتمد التشغيل على رحلات يومية منتظمة، بل ستكون الرحلات وفق الطلب، على أن تعلن شركات السياحة عن رحلات في مواعيد محددة. أما على صعيد فرص العمل، فأوضح زكريا أنّ تشغيل أربع طائرات إلى أربع وجهات سيعني حاجة محدودة إلى الموارد البشرية في البداية، متوقعًا ألّا يتجاوز عدد الوظائف في المرحلة الأولى 85 وظيفة.
من التخطيط إلى التنفيذ
في أوائل آب الماضي، بدأت وزارة الأشغال العامة والنقل أولى الخطوات التنفيذية على الأرض. فأعلنت عبر منصة هيئة الشراء العام، عن مناقصة لتأهيل طريق ومدخل وساحات مطار القليعات وصيانتها، في خطوةٍ تهدف إلى تجهيز البنية التحتية المحيطة بالمطار ومداخله وساحاته تمهيدًا لمراحل التشغيل المقبلة.
وفي خطوةٍ عملية مرافقة لانطلاق المشروع، أعلنت شركة «Sky Lounge Services»، المكلّفة بتطوير مطار القليعات وتشغيله، إطلاق أوّل 21 فرصة عمل ضمن المرحلة الأولى من تشغيل المطار.
وتشمل الوظائف المطروحة اختصاصات تشغيليّة وإداريّة وتقنية في مجالات خدمات المسافرين، المناولة الأرضية، تشغيل وصيانة المطار، إضافةً إلى الأنشطة التجارية غير الجوّية.
وأكدت الشركة أنّ الأولوية في التوظيف ستكون للمرشّحين المؤهّلين من عكار وشمال لبنان، كلّما توافرت لديهم المؤهّلات والخبرات المطلوبة، انطلاقًا من التزامها بدعم التنمية الاقتصادية في المنطقة.
وأوضحت أنّ «هذه الدفعة تمثّل المرحلة الأولى من خطة التوظيف، على أن يتمّ الإعلان تباعًا عن فرص إضافية مع تقدّم الأعمال واستكمال مراحل التشغيل»، داعيةً جميع الرّاغبين في الانضمام إلى فريق عمل مطار القليعات، إلى «الاطّلاع على الوظائف الشاغرة والتقديم عليها عبر الرابط الرسمي للتوظيف، الذي يتضمّن الوصف الوظيفي لكل منصب، والمؤهّلات المطلوبة، وآليّة التقديم».
قلعة القليعات… ذاكرة المكان
على مسافة من حركة المطار والبساتين، تقف قلعة القليعات شاهدة على تاريخ المنطقة وتحوُّلاتها. وتُعد القلعة من أبرز المعالم التاريخية في شمال لبنان، إذ تعكس إرثًا عمرانيًا مرّ عبر مراحل تاريخية مختلفة، من الحقبة العربية الإسلامية إلى الحملات الصليبية، وصولًا إلى المماليك والعثمانيين.
عملت بلدية القليعات بالتعاون مع فرق فنية على إعادة الحياة إلى القلعة، في محاولة لا تقتصر على صيانة الموقع، بل تشمل استعادة مكانته كجزءٍ من الهوية الثقافية للمنطقة. وشملت الأعمال تنظيف المساحات الداخلية والخارجية من الركام والنفايات، وتأمين مسارات آمنة للزوار، وتركيب بوابات حماية، ووضع لوحات تعريفية بتاريخ الموقع.
ويؤكد رئيس بلدية القليعات الدكتور عبد الرزاق خشفة، أنّ البلدية تسعى من خلال مشروع إعادة تأهيل القلعة إلى الحفاظ على الإرث التاريخي والثقافي الذي تمثله، موضحًا أنّها قلعة صليبية مهدّمة يعود بناؤها إلى القرن الثاني عشر الميلادي.
ويضيف أن البلدية تطمح لتحويلها إلى نقطة جذب سياحي وثقافي تسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية المحلية وخلق فرص عمل لأبناء المنطقة، من خلال تطوير السياحة الريفية والتراثية وإقامة مشاريع حرفية وترفيهية وثقافية في الموقع.
لكن الطريق ما تزال طويلة، إذ يوضح خشفة أن ما أُنجز حتى الآن غير كافٍ بسبب محدودية موارد البلدية، لذلك يجري العمل على استقطاب المساعدات والهبات من الجمعيات والأفراد والمستثمرين المهتمين بإحياء القلعة، بالتوازي مع التعاون مع مختصين في علم الآثار والهندسة المعمارية للحفاظ على طابعها الأثري.
كما يجري إعداد خطة لإنارة القلعة ليلًا، بما يُبرز جمالها ويشجع على تنظيم زيارات سياحية إليها.
الأهمية التاريخية للقلعة
يشير الخبير في الآثار والسياحة بكر الصديق، رئيس نادي آثار طرابلس، أنّ قلعة القليعات هي واحدة من سلسلة حصون أمر بإنشائها معاوية بن أبي سفيان حين كان والي الشام والهدف منها تحصين المدن الساحلية التي كانت ثغورًا مثل طرطوس واللاذقية وطرابلس وصيدا وعكا. ثم توالت الحقبات واستولى الصليبيون على حصن القليعات كما على كل ساحل الشام، قبل أن يستولي عليه المماليك ويعيدوا بناءه، فيما شكّلت الإضافات العثمانية آخر مراحل تاريخه.
ما يميّز القلعة تاريخيًا بحسب الصديق، أنّها كانت أقرب حصن لمراقبة الساحل وحماية طرابلس زمن الصليبيين والمماليك، ما منحها ميزةً عسكريةً مهمة على مر العصور.
من معلم أثري إلى وجهة سياحية
الحفاظ على القلعة لا يكتمل بمجرد تنظيفها وتأهيلها، إذ إنّ تحويلها إلى موقع سياحي مستدام يتطلب ترميمها وفق المعايير العلمية، وتأهيل محيطها والطريق المؤدية إليها، وربطها بنشاط سياحي وثقافي أوسع.
وفي هذا الإطار، يشدد محمد حسن، ابن بلدة القليعات وسفير لبنان السابق في الجزائر، على أهمية تحويل القلعة إلى مركز جذب ثقافي وسياحي حي، مقترحًا تنظيم مهرجانات دورية وبرامج تعليمية مدرسية، وتأهيل شباب القليعات ليكونوا مرشدين سياحيين، وإدراج القلعة ضمن الخريطة السياحية الوطنية، وإشراك المجتمع المحلي في صناعة المحتوى الثقافي.
ويرى أنّ القلعة تعبّر عن مقاومة النسيان، وعن الهوية والانتماء، وتشكل مرآة للروح القليعاتية العكارية الأصيلة والمنفتحة على التاريخ.
أما الأهالي، فيرون في إعادة إحياء القلعة استعادة لجزء من ذاكرة البلدة. ويقول أحد سكان القليعات، إنّ إعادة ترتيب القلعة وتنظيفها وإعادة الحياة إليها تركت أثرًا إيجابيًا على أبناء المنطقة.
كذلك يرحّب أبناء البلدة بهذه الخطوات، معتبرين أن القلعة تستعيد جزءًا من مجدها القديم، وتجمع بين الأصالة التاريخية والمظهر الجذاب، لتتحول إلى رمزٍ حي للتراث ومعلم يمكن أن يجذب الزوار إلى عكار.
أرض معطاء
لا تكتمل صورة القليعات من دون التوقف عند مطبخها، الذي يعكس طبيعة الأرض وذاكرة أهلها.
فالسمك الطازج، القادم مباشرة من البحر إلى المائدة، والكبة العكارية بالصينية، والمجدرة بالبرغل الخشن والبصل المقلي، تشكل جزءًا من المطبخ المحلي. وترافقها منتجات الأرض من عصير البرتقال والليمون البلدي الطازج ومربّى الحمضيات الذي تعدّه نساء البلدة، إلى جانب زيت الزيتون العكاري وخبز التنور.
هنا، لا تبدو المائدة مجرد مساحة لتقديم الطعام، بل امتدادًا للأرض ولحياة أهلها؛ فكل طبق يحمل شيئًا من طبيعة القليعات ومن علاقة سكانها بأرضهم وبحرهم.
القليعات… فرصة تتجاوز حدود البلدة
تمتلك القليعات اليوم مقومات متكاملة يمكن أن تجعل منها أكثر من بلدة زراعية ساحلية. فالبحر يمنحها موردًا سياحيًا، والأرض توفر إنتاجًا زراعيًا غنيًا، والقلعة تختزن تاريخًا قادرًا على جذب المهتمين بالتراث، فيما يفتح مطار رينيه معوض بابًا جديدًا أمام النقل والاستثمار والحركة الاقتصادية. فمع إعادة تأهيله، تبدو الفرصة اليوم أكبر لإعادة رسم موقع القليعات وعكار على الخريطة السياحية والاقتصادية، ليس فقط كوجهةٍ تستحق الزيارة، بل كمنطقةٍ يمكن أن تتحول فيها مقومات الطبيعة والتاريخ والزراعة إلى فرص حقيقية للتنمية والاستثمار والعمل.
مطار القليعات
يحمل مطار القليعات تاريخًا يعود إلى الحرب العالمية الثانية، إذ أنشأه الحلفاء في العام 1941 كمطارٍ عسكري. وفي ستينيات القرن الماضي، استخدمته شركة نفط العراق لأغراضٍ مدنية محدودة، قبل أن يتسلّمه الجيش اللبناني العام 1966 ويتحول إلى قاعدة عسكرية تمركزت فيها آنذاك طائرات «الميراج» الفرنسية. واليوم، يعود المطار إلى الواجهة ضمن مشروع يطمح إلى وضعه مجددًا على خريطة النقل الجوي المدني في لبنان.










