author author author
رغم الضغط الكبير الذي تفرضه كثافة مهماته، يتابع الجيش اللبناني نشاطات التدريب التي تتدرج في مستوياتها وصولًا إلى تنفيذ تمارين تشارك فيها وحدات من أقوى الجيوش في العالم، وأكثرها تجهيزًا وتقدّمًا. في هذا السياق يأتي تمرين PEGASUS CEDAR 2026 الذي جمع فريقًا بريطانيًا من الفوج الملكي الاسكتلندي والفوج المجوقل في الجيش اللبناني، وشارك فيه عناصر من جيشَي الولايات المتحدة وإيطاليا في حضور عناصر من جيوش فرنسا وقبرص وقطر والأردن بصفة مراقبين.
نُفّذت فعاليات التمرين في عدة مناطق، وقد تفقّد قائد الجيش العماد رودولف هيكل قسمًا منها في قيادة الفوج المجوقل في ثكنة داني حرب – غوسطا حيث زار المركز الميداني للعمليات والاستعلام التكتي، وحضر إيجازًا حول مراحل التمرين وأهدافه. كما التقى العسكريين الأجانب وعسكريي الجيش المشاركين في التمرين، مشيدًا بجدّيتهم العالية التي تُحقق الاستفادة القصوى منه، ومُشدّدًا على أهمية التعاون بين القوى المختلفة. وتوجّه إليهم بالقول: «إنّ مواصلة بذل الجهود والتدريب تُمكّن الجيش من تنفيذ مهماته رغم صعوبتها وكثافتها، فدوركم أساسي ومهم، ونتيجته تنعكس على صورة المؤسسة».
استمر التمرين ثلاثة أسابيع، وحاكى فرضية القضاء على مجموعة إرهابية، وتخلّله استعمال الطائرات المسيّرة والطوافات والأسلحة المتوسطة. وحضر الحفل الختامي في ثكنة سعيد الخطيب – حمانا، رئيس الأركان اللواء الركن حسان عوده (قائد الجيش بالنيابة في حينه)، السفيرة القبرصية والسفير الأردني وممثل عن سفارة الولايات المتحدة الأميركية وممثل عن سفارة المملكة المتحدة، وعدد من الملحقين العسكريين، بالإضافة إلى ضباط من الجيش.
خلال الحفل، أكّد اللواء الركن عوده أنّ هذا التمرين يساهم في تعزيز الثقة المتبادلة، وترسيخ العمل المشترَك مع الدول الصديقة، مشيرًا إلى أنّ التعاون الدولي الحاصل من خلال التمرين يسمح بتبادل الخبرات على مستوى العمليات الأمنية. كما هنّـأ العسكريين على جهودهم المبذولة لإنجاح التمرين ونوّه بأدائهم الاحترافي، لا سيّما لناحية مواكبة التقدم التكنولوجي.
التمرين في نسخته الثانية
يُذكر أنّ هذه النسخة هي الثانية من تمرين الذي جرى لأول مرة في العام 2023، وكان مقررًا أن يُنفّذ مجددًا في أيلول 2024، إلّا أنّه أُلغي بسبب الحرب. وقد استمرّت التحضيرات لإجراء النسخة الثانية في أيلول 2025، لكن التمرين أُلغي مرة جديدة لأسبابٍ خاصة بالجيش البريطاني تتعلق بالتدريب في الخارج، إلى أن سمحت الظروف بتنفيذه هذه السنة. ويُؤمل أن يصبح هذا التعاون سنويًا مع توسيع حجم مشاركة الدول الصديقة.
التكامل وتبادل الخبرات
يتميز هذا التمرين بما يتضمّنه من عمليات مشتركة بين الجيش اللبناني وجيوش صديقة لكلٍّ منها طرق وأساليب ووسائل قتال مختلفة. الأمر الذي يُشكّل قيمة مضافة إلى خبرات الجيش اللبناني، ويتيح للفوج المجوقل تنفيذ العمليات المجوقلة بالوسائل والقدرات اللبنانية، وبمشاركة الجيوش التي تتعاون معه في مجال التدريب. وقد أظهر هذا الفوج قدرته على تنظيم وإدارة وتنفيذ التمرين، ما يعكس المستوى الاحترافي الذي وصل إليه بعد سنوات من التدريب، واكتساب خبرات واسعة في القتال والمعارك، وهذا ما تفتقده بعض الوحدات في الجيوش الأجنبية، بل تبحث عنه.
نُفِّذَ التمرين على مستوى لفيف مجوقل مشترك يتألف من قيادة مشتركة (ضباط لبنانيون وبريطانيون وأميركيون) وثلاث سرايا مجوقلة تابعة للفوج، أُلحِقَ بكلٍّ منها فصيلة بريطانية، وفصيلة هاون أُلحِقَ بها فريق إيطالي.
تابع اللفيف المجوقل المشترك برنامجًا تدريبيًا تبادل خلاله العسكريون مهاراتهم وتكتيكاتهم وخبراتهم الخاصة. وخُصِّص أسبوع لتنفيذ المهام الكاملة بطريقةٍ متدرجة، إذ تتلقّى قيادة اللفيف مهمة، فتبدأ بتقدير الموقف العسكري تمهيدًا للوصول إلى إصدار أمر عمليات، وبعد ذلك يأتي تنفيذ المهمة وتطبيق القيادة والسيطرة. أظهر هذا التكامل قدرة الفوج المجوقل على العمل جنبًا إلى جنب مع الجيوش الأجنبية بصفة الشريك، لا بصفة المتدرّب.
المراحل وتوزيع المهمات
انقسم التمرين إلى أربع مراحل:
– المرحلة التحضيرية، وهي لوجستية، انتقلت خلالها المجموعة البريطانية من قبرص إلى لبنان وتمركزت في ثكنة داني حرب – غوسطا.
– المرحلة الأولى، مرحلة التأقلم المناخي والتقييم التكتي للمجموعة.
– المرحلة الثانية، التكامل وتبادل الخبرات، نفّذ خلالها اللفيف المجوقل المشترك برنامج تدريب شمل: تمارين رماية بالأسلحة الفردية والإجمالية، القتال في الأماكن المفتوحة، القتال في الأماكن المبنية، المداهمة، الاستطلاع، التعامل مع الطوافات، الإسعافات الأولية، والاختصاصات الأخرى في السرية.
– المرحلة الثالثة، أسبوع «تنفيذ التمرين التكتي (FMP – Full Mission Profile)»، واستخدمت خلاله الذخيرة الحيّة في مناورة جرت في العاقورة، والذخيرة الخلبية في مناورة جرت في مركز التدريب على القتال في الأماكن المبنية في حمانا. وقام اللفيف المجوقل المشترك بعدة طلعات بالاشتراك مع القوات الجويّة لدعم المناورتَين وتأمين مهمات الاستطلاع والنقل الجوّي، فضلًا عن الدعم الناري القريب والقصف الجوّي. كان للّفيف المجوقل المشترك قيادة مشتركة مؤلفة من: ضابط لبناني بوظيفة قائد لفيف، إلى جانب ضباط لبنانيين، ضابط بريطاني وضابط أميركي. على مستوى السرايا، أُلحقت فصيلة بريطانية بسرية استطلاع من الفوج، ونفّذت مهمات الاستطلاع. كما التحقت الفصيلتان البريطانيتان الباقيتان بسريتَي قتال مجوقلتَين من الفوج لتنفيذ مهمات مجوقلة ومهاجمة. أمّا الفريق الإيطالي فالتحق بفصيلة الهاون التابعة لسرية الدعم في الفوج المجوقل، وهي كانت جزءًا من اللفيف المجوقل المشارك في مهمة تأمين الدعم الناري لمناورة اللفيف.
العسكريون اللبنانيون: مستوى عالٍ من الاحتراف
أثبت أداء عناصر الفوج المجوقل أنّهم على مستوى عالٍ من الاحتراف، ويمتلكون مهارات متعددة، وتميّـزوا من بين بقية المشاركين في مجال الخبرة القتالية. وأتقن الفوج استخدام مختلف أنواع الوسائل القتالية المجهّز بها، وأدار ساحة المعركة بين القوى البرية والجوية والنيران غير المباشرة من خلال تدريبه المكثف على التكامل العملاني الأرضي – الجوّي. كما أظهر احترافًا في استخدام برامج وأجهزة متنوعة ومتطورة خاصة بالتخطيط والقيادة والسيطرة، إضافة إلى الاستخدام التكتي الصحيح للطائرات المسيّرة الصغيرة في عمليات المراقبة والهجوم، ودمجها في المناورات التكتية للوحدة. وبذلك برهن الفوج قدرته على توظيف التكنولوجيا المتوافرة بشكلٍ عملي وفعّال إلى أقصى حدود.
عدة خبرات في تمرين واحد
شكّل تمرين «بيغاسوس سيدر» فرصة جيدة لجمع عدة خبرات في تمرين واحد. انطلق في البداية مع القوات البريطانية التي يسعى الفوج إلى تطوير التدريب معها، كما أنّه كان يعمل بشكلٍ وثيق مع الفريق الأميركي منذ فترة طويلة، ويتشارك مع الإيطاليين برامج تدريب سنوية. أثمرت هذه التدريبات بناء علاقات مع الفرق التدريبية للجيوش التي سبق ذكرها. أمّا بالنسبة إلى باقي الدول: فرنسا، قبرص، قطر والأردن، فاقتصر حضورها على إرسال مراقبين للتعرف على التمرين، على أمل المشاركة بالتنفيذ في المستقبل.
في الخلاصة، أظهرت المناورة الختامية للتمرين مستوى عاليًا من التنسيق بين القوى المشاركة، من خلال توزيع الأدوار ومتابعة التحركات والانتقال المنظّم بين مراحل العملية. وعكس ذلك أهمية التدريبات المشتركة في تطوير سرعة الاستجابة، وتعزيز القدرة على التعامل مع السيناريوهات الأمنية المعقّدة.
فرصة للتعلّم المتبادل
في مقاربة تعكس أهمية التدريب المشترك الذي يتيح تبادل التجارب وتطوير أساليب العمل والتنسيق الميداني، قال القائد المسؤول عن الكتيبة البريطانية، إنّ مشاركة القوات البريطانية في مناورة ”بيغاسوس سيدر“ تشكّل فرصة لعناصرها للعمل إلى جانب الجيش اللبناني والتعلّم المتبادل بين الطرفين. كما تُبرز دور الجيش اللبناني في هذه الشراكة، بما يمتلكه من خبرة ميدانية وما يتحمّله من مسؤوليات وطنية في ظل تحديات أمنية متزايدة.
وأكّدت نائبة السفير البريطاني في لبنان أنّ المناورة تمثّل محطة جديدة في العلاقة طويلة الأمد بين البلدَين وجيشَيهما. وأشارت إلى أنّ الدعم البريطاني يشمل أيضًا العمل المشترك والتعلّم المتبادل وبناء علاقات مستدامة رغم الظروف الصعبة.











