جورج علم – كاتب ومحلل سياسي
يستيقظ العراقيون على ملامح فجر جديد. يفركون عيونهم جيدًا للتمعُّن بالمتغيرات. يدلفون إلى شرفة الحرية ليرتشفوا قهوة الصباح بمذاقها السيادي، يسرّحون النظر نحو الأفق البعيد الذي يزداد توهجًا وانقشاعًا. يحلمون باليوم التالي لعلّه يوطّن الأفراح، ويبلسم الجراح.
لم يكن الانسحاب الأميركي، ومعه التحالف الدولي مجرد عنوان يتصدر صحيفة الصباح. ولا خبرًا تتناقله وسائل الإعلام. إنّه قضية وطنية ضحّى العراقيون من أجلها. إنّه إنجاز تاريخي له ما قبله، وله ما بعده. لا تأتي الأمور جزافًا، بل تعركها سواعد التضحيات. يكفي أنّ الدولة قد استعادت مكانتها، ووضعت يدها على المحراث كي يعمّق أثلام الكرامة في رياض الرافدين. فاليوم ليس كما قبله، هناك انسحاب. هناك جيوش أجنبية تغادر، وهناك صوت وطني جامع يلقي السلام على الأنام، ويقول صباح الخير يا عراق الخير مع مطلع هذا الفجر الجديد.
يشكّل الانسحاب الأميركي من العراق، ومعه التحالف الدولي، نهاية مرحلة، وبداية مرحلة جديدة تؤشّر إلى الانتقال نحو الأمن الوطني، ومدى القدرة على الإمساك بزمام الأمور، وضبط التوازنات الداخلية، وصياغة التعامل المنتج والمريح مع القوى الإقليمية والدولية.
قادت الولايات المتحدة تحالفًا دوليًا في العام 2014، بعدما تمكّن تنظيم «داعش» الإرهابي من السيطرة على مساحات واسعة من العراق، وأحدث إرباكات سياسية وأمنية في الداخل رسمت الكثير من علامات الاستفهام حول المستقبل والمصير.
ضمّ التحالف أكثر من 30 دولة. وقضى الاتفاق بين بغداد وواشنطن بإنهاء مهمته بحلول أيلول 2026. ففي العام 2017 ألحق هزيمة بالتنظيمات الإرهابية داخل الأراضي العراقية. وتقرر بعد مروحة واسعة من الاتصالات والمشاورات بين عواصم الدول المعنية أن تشمل مهمته مناطق سورية خاضعة «للتنظيم»، وقد أنزلت به هزائم مدوّية بحلول العام 2019. واستمر نشاط التحالف بدعمٍ أميركي محدود في بعض المناطق السورية لمواجهة العمليات التخريبية.
تمّت عملية الانسحاب وفق تفاهمات رسمية. وكانت القاعدة الأساسية التي اتُّبعت في العملية مستندة إلى اتفاق رسمي تمّ بين العراق والولايات المتحدة، وحدّد جدولًا زمنيًا متدرجًا للخروج، وصدر بيان مشترك عن بغداد وواشنطن يؤكد أنّ المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش ستنتهي بحلول أيلول 2025، على أن تتحوّل العلاقة إلى شراكة أمنية مخابراتية لوجستية بعد ذلك التاريخ. لكنّ التطورات المتسارعة داخل العراق، وفي منطقة الشرق الأوسط حتّمت تمديد المهل والانسحاب حتى أيلول 2026.
كشف الاتفاق العراقي – الأميركي، بعد قراءة متأنّية، حقائق أهمها أن يتمّ الانسحاب بشكلٍ تدريجي، مرن، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، والدليل أنّ المرحلة الأولى قضت بخروج القوات القتالية من قاعدة عين الأسد الجوية في الأنبار في أيلول 2025، والمبادرة إلى تقليل وجودها في مواقع أخرى.
وأُنجزت المرحلة الثانية من التفاهم في أيلول 2026، عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مغادرة قواته بلاد ما بين النهرين بسلاسةٍ، ووفق خطة مُحكمة. فيما أعلنت اللجنة العسكرية العليا إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، ومغادرة معظم المستشارين، وإخلاء القواعد العسكرية والقيادية، وتسليمها للسلطات العراقية.
شراكة أمنية
ويبقى السؤال هل كان الانسحاب كاملًا تامًا، أم نسبيًا تقتضيه ضرورات المرحلة؟
الحقيقة أنّه كان نسبيًا طبقًا للآليات المعتمدة، والمُتفاهَم بشأنها. وقضى الاتفاق بأنّ الانسحاب لا يعني انتهاء الوجود تمامًا، بل الانتقال من مهمة قتالية، إلى علاقة أمنية ثنائية بين بغداد وواشنطن تشمل دعم التدريب، والتعاون الاستخباراتي للقوات العراقية النظامية، واستمرار التنسيق الأمني من دون مشاركة فعلية في القتال.
التحديات
أفضى خروج الولايات المتحدة، والتحالف الدولي من العراق إلى مرحلة أمنية جديدة تتحمّل فيها القوات العراقية المسؤولية الكاملة عن حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التهديدات الإرهابية، وسط تساؤلات حول مدى القدرة والإمكانية على منع عودة نشاط الخلايا الإرهابية في ظل غياب الدعم الدولي العملياتي والاستخباراتي؟
الحقيقة أنّ الولايات المتحدة برّرت الانسحاب بالقول إنّ تنظيم داعش لم يعد يشكل تهديدًا استراتيجيًا بعد الهزائم التي مُنِي بها، لكنه لا يزال يحتفظ بخلايا نائمة، ونشاط محدود في المناطق الجبلية والصحراوية، ما يفسح المجال أمامه لإعادة تنظيم شبكاته إذا لم تقُم القوات العراقية بمهماتها بكفاءةٍ عالية. في المقابل، يؤكّد الجانب العراقي جاهزية قواته الأمنية وقدرتها على مواجهة كل الاحتمالات الهادفة إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
لكن في الواقع، يبقى التحدي الأبرز حكرًا على المناطق الحدودية الحساسة التي تتخلّلها ثغرات وفجوات وممرات شائكة، قد يستغلها الإرهاب لإثبات حضوره وقدرته على الاستمرار في المشهد الأمني والسياسي العراقي. إلّا أنّ السلطات في بغداد تتعاطى بحكمةٍ وجهوزيةٍ تامة مع كل الفرضيات والاحتمالات التي يمكن أن تسيء إلى الإنجازات المحقَّقة.
التحديات السياسية
ظهرت انعكاسات سياسية للخروج الأميركي من العراق، وهي كانت متوقّعة كونها تدخل ضمن حسابات القوى السياسية، والتوازنات الداخلية. وأعاد المشهد طرح مسألة السيادة، ومفهومها، وما لها وما عليها في ظل القرار الرسمي بضرورة حصر السلاح في الداخل، بعدما تحرّر العراق من سلاح الخارج، ومدى قدرة القوى المحلية الفاعلة في إدارة القرار الأمني والسياسي.
والحقيقة تقال بأنّ الانسحاب الأميركي أطلق دينامية سياسية بين الأحزاب والتنظيمات العراقية معزّزة بأسئلة منطقية حول طبيعة العلاقات الخارجية التي يُفترض نسجها مع الدول الشقيقة والصديقة بعد الانسحاب، ومستقبل الشراكة مع الولايات المتحدة، وطبيعتها.
وتبحر الحكومة العراقية في يمّ الانسحاب، لتعزز من مكانتها، وأهمية دورها الوطني، مستفيدة من الدينامية الجديدة المتفاعلة بين مختلف الأحزاب والتيارات والقوى السياسية التي تعتبر أنّ الوجود العسكري الأجنبي يشكّل إطارًا يحد من السيادة الحقيقية، وأنّ انسحابه وخروجه من البلاد يعزز منطق الاستقلال السياسي والعسكري ويمنح الحكومة مزيدًا من السيطرة على قراراتها الأمنية والسياسية.
إلّا أنّ الثغرة التي يفترض تداركها بعد «زوال السكرة وعودة الفكرة» تتمثل بتعداد الولاءات، وبعض التدخلات.
صحيح أنّ الأميركي قد انسحب، ومعه التحالف الدولي، لكنّ الآخرين لم ينسحبوا، وهم أصحاب مطامح ومطامع في العراق، ولهم في الداخل العراقي مروحة واسعة من التأييد، الأمر الذي يؤدي حكمًا إلى ازدياد التنافس بين القوى الداخلية، ويعمّق الخلافات بين الأحزاب والتنوّعات الثقافية المختلفة مما قد يزيد المشهد السياسي في البلاد تعقيدًا وتشرذمًا.
وليس من قبيل المبالغة القول بأنّ الخروج من العراق قد أسهم في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بعد تقليص النفوذ الأميركي داخل البلاد، وإفساح المجال أمام لاعبين إقليميين لتعزيز أدوارهم داخل الساحة العراقية. كما يحمل هذا المستجد تداعيات جيوسياسية في ظل التطورات الخطيرة المتسارعة في الشرق الأوسط، مما قد ينعكس على أمن العراق واستقراره وتوازنه الداخلي. والدليل أنّ انسحاب القوات الأميركية قد يمنح نفوذًا أوسع للفصائل المسلحة المدعومة من قوى خارجية داخل العراق، ما يعيد تشكيل الميزان الاستراتيجي في المنطقة لمصلحة المرجعية الخارجية الداعمة، وهذا الاحتمال مهم كونه يؤثّر في توازن القوى على الصعيد الإقليمي وسط المحاور المتصادمة في الشرق الأوسط.
ولا يخفى في هذا المجال أنّ دولًا إقليمية مهمة مثل المملكة العربية السعودية، وتركيا قد تسعى إلى إعادة ترتيب مصالحها تجاه العراق، سواء في المجال الأمني أو الاقتصادي، طبقًا لمستجدات المرحلة وضروراتها.
واقع العلاقة بين بغداد وواشنطن ومستقبلها
وعلى وقع الصفحة الجديدة التي فُتحت، هناك واقع جديد يُبنى عليه، ذلك أنّ الانسحاب الأميركي، والانتهاء من مهمة التحالف، لا يعني نهاية العلاقات بين بغداد وواشنطن، بل هناك سلاسل من التعاون المشترك. هناك شراكات أمنية يتركّز دورها على التدريب، والتسليح، والتعاون في مكافحة الإرهاب.
ولا يمكن إغفال الجانب الاقتصادي الحيوي والمهم بين البلدين في زمن جائحة الطاقة التي تجتاح العالم بتداعياتها، خصوصًا وأنّ العراق يشكّل درّة العقد الدولي النفطي، ويعتبر حاجة وضرورة لضمان التوازن في أسواق الاستهلاك.
ويبقى أنّ الانسحاب بتوصيفه العملي الدقيق، هو أشبه بإعادة الانتشار، لكن على نطاق واسع. ذلك أنّ القوات الأميركية المنسحبة احتلت مكانًا ومكانة في إقليم كردستان، ودلفت أيضًا إلى بعض قواعدها المنتشرة في دول الخليج، للحفاظ على مكانة الاستراتيجية التي تتّبعها في المنطقة، وحتى لا تصاب بأي وهن أو خلل.
القدرات والتوقعات
يلتقي الكثير من التحليلات الأميركية والأوروبية حول تحدّيَين:
الأول، إنّ التنظيمات الإرهابية لم تختفِ من المشهد العراقي – الشرق أوسطي. هناك توقع غربي يتمثل بانتقال التنظيمات الأصولية من حالة الاحتواء والضغط المستمر، إلى هامش أوسع للمناورة وإعادة التموضع. وعلى الرغم من حالة الضعف التي تعانيها معظم التنظيمات، فإنّ غياب الدعم الاستخباراتي والعملياتي الدولي المباشر يوفّر بيئة أكثر ملاءمة لعودة نشاط الخلايا النائمة، وغالبًا في المناطق الحدودية والصحراوية التي لطالما شكّلت عمقًا استراتيجيًا لهذه التنظيمات.
كما يسهم الانسحاب في إعادة إنتاج خطاب شعبوي جهادي يقوم على سردية الانتصار، بمعنى أن تستثمر التنظيمات الأصولية المتطرفة خروج القوات الأجنبية باعتباره دليلًا على نجاح استراتيجية الاستنزاف مما قد يعزز قدرتها على التعبئة الأيديولوجية لإعادة التجنيد والاستنفار، لا سيما في البيئات الهشّة سياسيًا واقتصاديًا، وهذا يؤدي تلقائيًا إلى تحويل التهديد الإرهابي من نمط السيطرة المكانية، إلى نمط التمرّد اللامركزي القائم على الهجمات المحدودة، واستغلال التناقضات السياسية والطائفية داخل الدولة بما يفرض على العراق تحديًا مزدوجًا يتمثل في مواجهة الإرهاب عسكريًا، وتجفيف منابعه الفكرية والاجتماعية في آن واحد.
أمّا التحدي الثاني، فيتمثل بالفرص التي يتيحها خروج التحالف من العراق للعراقيين، لتعزيز السيادة الوطنية. لكن هذا يتطلب تفعيل الحوار لتعزيز التوافق الوطني بين القوى السياسية، وتلافي التوترات الداخلية، وكل ما يعيق المرحلة الانتقالية، وتقوية المؤسسات الأمنية والاستخباراتية لتلافي الفجوات، ومراقبة النشاطات اللامسؤولة. يُضاف إلى ذلك، تمكين الدبلوماسية من التعاطي مع التدخلات الخارجية بحكمةٍ لتجنيب العراق تداعيات صراع المحاور المحتدم في الشرق الأوسط على نطاق واسع ومعقّد.
ردود الفعل الأميركية والدولية
واجه الكونغرس الأميركي الانسحاب بردود فعل متفاوتة وإن كان هناك شبه إجماع على القول بأنّ ما جرى يشكّل تحوّلًا ملحوظًا في السياسات الأميركية بين ترحيب بإنهاء تورط عسكري طويل الأمد، وبين نقاش مستمر ومستفيض داخل دوائر الكونغرس حول حدود التدخل الخارجي، وقانونيته، ودور واشنطن المستقبلي في الشرق الأوسط، وهي المنخرطة بما هو خارج العراق، وأدهى من متاعبه وتحدياته.
وكان من أبرز ردود الفعل، قرار الكونغرس بصياغة تعديل ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني للعام 2026 يقضي بإلغاء تفويض استخدام القوة العسكرية ضد العراق للعامين 1991 و2002، إذ صوّت مجلس النواب ومجلس الشيوخ على ذلك في خطوة تعد إشارة رمزية وقانونية قوية لإنهاء حقبة التدخل العسكري المباشر، وقد رحّبت السلطات العراقية بهذا التصويت معتبرة إياه «نقطة تحوّل جوهريّة» في العلاقات الثنائية. وأنّه يمثّل احترامًا لسيادة العراق، وطيًّا لصفحة الحروب السابقة.
ولم يأتِ القرار معزولًا، بل شكّل جزءًا من نزعة في الإدارة الأميركية لتقليص الالتزامات العسكرية الخارجية بعد سنوات من الحروب المفتوحة في الشرق الأوسط. وقد رحّب عدد من المشرّعين من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي بإلغاء تفويضات الحروب السابقة كونها تعزز سلطة الكونغرس في الشؤون العسكرية، وتحدّ من توسع صلاحيات الرئيس لاتخاذ إجراءات حربية من دون إشراف تشريعي كامل.
ورغم أنّ الانسحاب من العراق لم يشكّل عنصرًا لتلاقي الإرادات بين المجموعات السياسية داخل الكونغرس، إلّا أنّ إلغاء تفويضات الحروب القديمة عُدَّ خطوة إيجابية في اتجاه إعادة توازن السلطات بين الكونغرس والبيت الأبيض في مسائل الحرب والسلام، وهو ما حصل بدعمٍ من أعضاء جمهوريين وديمقراطيين على حد سواء. في حين كان بعض النواب المحافظين متردّدين في بعض جوانب القرار، غير أنه مرّ في النهاية بغالبية الأصوات، ما يعكس توافقًا نسبيًا رغم الانقسامات السياسية التقليدية حول السياسة المتّبعة في الشرق الأوسط.
وظهر إلى جانب قرار الكونغرس نقاش أوسع في بعض الأوساط السياسية الأميركية حول ضرورة إعادة تقييم مشاركة الولايات المتحدة في النزاعات الخارجية، بما في ذلك العراق، في ظل الضغوط الاقتصادية، والافتقار إلى دعم شعبي واسع لاستمرار الوجود العسكري طويل الأمد في الخارج. وكان هذا الموضوع مثار جدل في مناسبات سابقة داخل الكونغرس، وقد تجسّد في مواقف مختلفة لأعضاء بارزين حول حدود صلاحيات الرئيس في استخدام القوة العسكرية من دون موافقة تشريعية وازنة، وضرورة تأكيد دور الكونغرس في قرارات الحرب والسلم.
وبناءً على ما تقدم، اتخذ الكونغرس خطوة تشريعية تاريخية بإلغاء تفويض استخدام القوة العسكرية ضد العراق، ما يُعدّ مؤشّرًا على تحوّل في النظرة الأميركية نحو دورها العسكري في الخارج. كما لاقى القرار دعمًا من أحزاب متعددة داخل واشنطن، مع اختلاف في التفاصيل حول إطار التنفيذ.
ويرى مشرّعون أميركيون أنّ الخطوة تعيد سلطة اتخاذ قرار الحرب إلى مجلسَي النواب والشيوخ بدلًا من تركها للقوة التنفيذية وحدها. وأنّ القرار لا يعني نهاية العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق، بل يشير إلى تحوّل نحو شراكة استراتيجية أكثر من حرب فعلية.
وزارة الدفاع
خارج سلطات الكونغرس، أكدت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في بيان رسمي، التزامها تقليص المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق ضمن إطار الاتفاق مع بغداد. وأوضحت أنّ الخطوة تأتي نتيجة النجاح في محاربة الإرهاب، وأنّ التعاون سينتقل تدريجيًا إلى شراكة أمنية دائمة بين البلدين.
وأشار بيان وزارة الدفاع إلى أنّ هذا التقليص يتماشى مع توجهات الرئيس ترامب، ويعزز قدرة العراق على التنمية، وجذب الاستثمارات، مع استمرار التنسيق مع الحكومة العراقية حول التطورات المستقبلية.
البيت الأبيض
لم يُصدر البيت الأبيض إعلانًا يرحّب بالانسحاب، لكنه لم ينفه من موقعه التنفيذي. وسبق له أن أكّد في عدة مناسبات التركيز على استمرار دعم العراق، ومكافحة التنظيمات الإرهابية حتى بعد سحب الوحدات القتالية.
بالمقابل أعلن البيت الأبيض تعزيز وجود قوات الطوارئ في الشرق الأوسط، مع تأكيد وزارة الدفاع الأميركية أنّ الهدف يبقى حماية الجنود والمصالح الأميركية، والدفاع عن الحلفاء في مواجهة تهديدات إقليمية، في ظلّ الحروب المفتوحة في المنطقة.
موقف العراق
كانت ردّة الفعل العراقية الشعبية لافتة. مهرجانات، يافطات، أقواس نصر، واحتفالات شملت مختلف الأطياف الشعبية رغم التباينات السياسية العميقة في ما بينها.
باختصار، احتفل العراقيون، لكن كلّ على طريقته. احتفلوا، لكنهم اختلفوا في توصيف المناسبة. هذا اعتبرها «الجلاء الثاني». وذاك وصفها بـ «الاستقلال الناجز». وثالث وصفها بـ «السيادة المطلقة والمحققة». في حين ركّز الموقف الرسمي للحكومة العراقية على «استعادة السيادة الوطنية، وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي القتالي في أرض العراق، عملًا باتفاق تم التوصل إليه مع واشنطن».
وأعلنت وزارة الدفاع العراقية انسحاب القوات الأميركية من قاعدة عين الأسد الجوية، وسيطرة الجيش العراقي عليها بالكامل في إطار تنفيذ اتفاق الانسحاب التدريجي الذي تم التوافق عليه بين بغداد وواشنطن منذ العام 2024. واعتبر المسؤولون العراقيون أنّ هذه الخطوة تمثّل تحولًا في علاقة العراق مع التحالف الدولي نحو شراكة أمنية، بدلًا من وجود عسكري قتالي.
وعبّر رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عن أنّ العراق لم يعد في حاجة لوجود القوات الأميركية على أراضيه. كما أكّد عزم بغداد على نقل سياقات التعاون الأمني في إطار الوجود العسكري إلى إطار شراكة استراتيجية، وتعاون ثنائي.
ووفق تحليلات دبلوماسية عراقية، يرى المسؤولون في بغداد أنّ خروج القوات القتالية لا يعني نهاية الدعم الأمني الدولي كليًا، وإنما تحوّل العلاقة نحو دعم استخباراتي، وتدريبي، واستشاري ما يتيح للعراق أن يبني قدراته الذاتية على المدى الطويل، مع الحفاظ على قنوات تعاون مفتوحة مع الولايات المتحدة، وأعضاء التحالف.
الخطة البديلة لأمن العراق
لغاية كتابة هذه السطور، لم يُصدر العراق وثيقة رسمية تحمل عنوان «الخطة البديلة» الموحَّدة والشاملة للرأي العام. إلّا أنّ الحكومة العراقية أكدت عدة مرتكزات أساسية في استراتيجيتها الأمنية بعد خروج القوات الأجنبية، من أهمها:
الاعتماد على القوات العراقية لفرض السيادة، ذلك أنّ الحكومة تؤكد أنّ الجيش العراقي، وجهاز مكافحة الإرهاب، وقوات الشرطة الاتحادية ستكون الركيزة الأساسية لضمان الأمن، مع تعزيز التنسيق بين جميع الأجهزة الأمنية العراقية.
ويأتي هذا الاعتماد في سياق بناء القدرات الوطنية للقوات العراقية كي تكون قادرة على ملء أي فراغ يتركه الانسحاب الغربي.
التعاون الثنائي، واضح أنّ الاتفاق بين بغداد وواشنطن قد أتاح الفرصة أمام العراق لتحويل العلاقة من وجود عسكري قتالي إلى شراكة أمنية ثنائية مع واشنطن وعواصم دول التحالف، تشمل التدريب، والتجهيز، وتعزيز الاستجابة للتهديدات الإرهابية.
تحشيد المؤسسات الأمنية، وسد الفراغات، فرغم إعلان العراق عن قدرة قواته على إدارة الأمن بعد خروج التحالف، فإنّ الأميركيين يشيرون إلى تحديات واضحة منها الفجوات في منظومات الدفاع الجوي، والاستخبارات المتقدمة، والتباينات السياسية الداخلية حول دور الفصائل المسلحة التي ما زالت قوة مؤثرة في المشهد الأمني العراقي.
وتعمل بغداد على تقوية أطرها الأمنية الداخلية، بما في ذلك زيادة الاعتماد على أجهزة الاستخبارات الوطنية، وتفعيل التنسيق بين الجيش والشرطة والأمن الوطني، وتعزيز قدرات الاستجابة السريعة للمخاطر الداخلية والحدودية.
وتعتمد استراتيجية بغداد على بناء منظومة أمنية وطنية متعددة الأوجه تعتمد على نقل الخبرات من التحالف إلى القوات العراقية، وتطوير القدرات المحلية على معالجة التهديدات المحتملة، وتعميق الشراكات الخارجية في دعم التدريب، والتجهيز، وإيجاد توازن بين السيادة الوطنية ومتطلبات الاستقرار الأمني.
وفي مطلق الأحوال، إنّ خروج الولايات المتحدة، والتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب من العراق هو أقل من انسحاب كامل، وأكبر من إعادة انتشار. إنّه يشكّل تحولًا في الترتيبات العسكرية، ويعكس إعادة صياغة شاملة لمعادلات الأمن والسياسة والنفوذ، على المستويين الداخلي والإقليمي، ويفتح المجال أمام تعزيز السيادة الوطنية، وتمكين المؤسسات الأمنية العراقية من الاضطلاع بمسؤولياتها على أكمل وجه. كما يفرض بالمقابل تحديات معقدة تتعلّق بإدارة التهديدات الإرهابية، وضبط التوازنات السياسية الداخلية، والتعامل مع تصاعد التنافس الإقليمي على الساحة العراقية بحكمةٍ وواقعية. وعليه، فإنّ قدرة العراق على تحويل هذا الخروج إلى فرصة استراتيجية مرهونة بمدى نجاحه في بناء منظومة أمنية متماسكة، وتعزيز التوافق السياسي الوطني، وانتهاج سياسة خارجية متوازنة، تقلّل من تداعيات الاستقطاب الإقليمي، بما يضمن استقرار الدولة، ويعزز مكانتها على ضفاف نهر التحولات الكبرى الذي يجتاح الشرق الأوسط، ويحدث أثلامًا عميقة في حدوده التاريخية، وجغرافيات دوله!








