معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي
- الهدف 12 من أهداف التنمية المستدامة، ما هو؟
هو ضمان وجود أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة بحلول العام 2030 من خلال تعزيز الاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية، والحد من النفايات والتلوث، وتشجيع اعتماد ممارسات مسؤولة تراعي احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية. ويقوم هذا الهدف على إعادة التفكير في طرق إنتاج السلع والخدمات واستهلاكها، بما يحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. ويركّز على تحسين كفاءة استخدام الموارد، والحد من توليد النفايات، والإدارة السليمة للمواد الكيميائية والنفايات الخطرة، وتعزيز إعادة الاستخدام وإعادة التدوير. كما يشجّع الشركات على دمج مبادئ الاستدامة في عملياتها والإفصاح عن أدائها البيئي والاجتماعي، ويدعو الحكومات إلى إدماج معايير الاستدامة في سياسات المشتريات العامة، وتعزيز وعي المستهلكين لاتخاذ قرارات أكثر مسؤولية، بما يرسّخ مبادئ الاقتصاد الدائري ويدعم نموًا اقتصاديًا أكثر كفاءة في استخدام الموارد.
ورغم تزايد الجهود العالمية لتعزيز الاستهلاك والإنتاج المستدامين، يبيّن تقرير الأمم المتحدة حول أهداف التنمية المستدامة للعام 2026 أنّ التقدم ما يزال غير كافٍ لتحقيق هذا الهدف. فقد ارتفع عدد أدوات وسياسات دعم الاستهلاك والإنتاج المستدامين بنسبة 16% منذ العام 2019، كما انخفضت إعانات الوقود الأحفوري بنسبة 10.2% العام 2024 مقارنة بالعام 2023، إلّا أنّ التطبيق العملي ما زال يواجه تحديات، لا سيما في إدارة النفايات، والحد من هدر الغذاء، وتوسيع إعادة تدوير النفايات الإلكترونية. ويؤكد التقرير أنّ اعتماد السياسات وحده لا يكفي، بل يتطلب تحويلها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
لذلك، يتطلب بلوغ هذا الهدف تسريع الانتقال من الالتزام إلى التطبيق، عبر:
- دعم الاقتصاد الدائري.
- تحسين إدارة النفايات.
- تشجيع الابتكار والإنتاج المستدام.
- تمكين القطاع الخاص والأفراد من تبني ممارسات أكثر مسؤولية.
- ما هي أبرز التحديات التي تواجه تحقيق هذا الهدف على مستوى العالم؟
يواجه تحقيق الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة مجموعة من التحديات المتشابكة التي تعيق الانتقال نحو أنماط استهلاك وإنتاج أكثر استدامة. ويأتي في مقدمة هذه التحديات الارتفاع المستمر في الطلب العالمي على الموارد الطبيعية، إذ ما تزال أنماط الإنتاج والاستهلاك الحالية تعتمد على استخراج المواد واستخدامها بمعدلات تفوق قدرة النظم البيئية على التجدد، ممّا يفاقم التدهور البيئي ويزيد الضغوط على الموارد.
كما يشكّل تزايد كميات النفايات، ولا سيما النفايات الإلكترونية، تحديًا عالميًا متناميًا، إذ بلغت نحو 65 مليون طن العام 2023، أي ما يعادل 8.1 كيلوغرامات للفرد، في حين لم يُعَد تدوير سوى 15.5 مليون طن منها، بينما تُعالج الكميات المتبقية بطرق غير سليمة، ممّا يخلّف آثارًا بيئية وصحية خطيرة. ويُضاف إلى ذلك استمرار فَقْد الأغذية وهدرها، إذ فُقد نحو 13.3% من الأغذية المنتجة عالميًا العام 2023 بعد الحصاد وقبل وصولها إلى الأسواق، بينما بلغت الأغذية المهدرة في قطاعات البيع بالتجزئة والخدمات الغذائية والأسر 1.05 مليار طن العام 2022، أي نحو 19% من الأغذية المتاحة عالميًا، مما يسبب خسائر اقتصادية كبيرة ويزيد الضغط على الأراضي الزراعية والمياه والطاقة، فضلًا عن إسهامه في انبعاثات غازات الدفيئة. وتواجه العديد من الدول تحديات إضافية تتمثل في ضعف البنية التحتية لإدارة النفايات، ومحدودية أنظمة جمع البيانات والرصد، ونقص الاستثمارات اللازمة لتطوير حلول مستدامة. كما أنّ الفجوة ما زالت قائمة بين اعتماد السياسات الداعمة للاستدامة وتطبيقها على أرض الواقع، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز مشاركة القطاع الخاص والمستهلكين في تبني ممارسات أكثر مسؤولية.
وفي ضوء هذه التحديات، يتطلب تحقيق الهدف الثاني عشر إحداث تحوّل عميق في طرق الإنتاج والاستهلاك، بما يخفف الضغوط على الموارد الطبيعية، ويعزز التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. - لماذا تُعد كفاءة استخدام الموارد الطبيعية حجر الأساس لتحقيق الاستهلاك والإنتاج المسؤولين؟
تعتمد حياتنا اليومية واقتصاداتنا على الموارد الطبيعية التي توفّر المواد والطاقة والمياه اللازمة لإنتاج السلع والخدمات. غير أنّ تزايد الطلب العالمي وأنماط الاستهلاك الحالية أدّيا إلى استنزاف هذه الموارد بوتيرة متسارعة، ما جعل تحسين طريقة استخدامها ضرورة أساسية لتحقيق تنمية أكثر استدامة. فالاستهلاك والإنتاج المسؤولان لا يعنيان التوقف عن استخدام الموارد، بل يعنيان تحقيق أكبر قيمة ممكنة منها، من خلال استخدامها بكفاءة والحد من الهدر والآثار السلبية على البيئة.
وتظهر أهمية كفاءة استخدام الموارد في الانتقال من نموذج يقوم على الاستهلاك المكثّف للموارد إلى نموذج أكثر استدامة يعتمد على الاستخدام الأمثل للمواد والطاقة والمياه، وإطالة عمر المنتجات من خلال إعادة استخدامها وتدويرها بدل التخلّص منها. ويسهم هذا النهج في تقليل كمية النفايات، والحد من التلوث، وخفض الضغط على النظم البيئية، كما يشكل أساسًا للانتقال نحو الاقتصاد الدائري الذي يقوم على الحفاظ على قيمة الموارد لأطول فترة ممكنة. ولا تقتصر فوائد كفاءة استخدام الموارد على حماية البيئة، بل تمتد أيضًا إلى تعزيز النمو الاقتصادي، إذ تساعد المؤسسات على خفض التكاليف، وتحسين الإنتاجية، وتشجيع الابتكار في تطوير منتجات وعمليات أكثر استدامة. كما تسهم في مواجهة تحديات عالمية مثل تغيّر المناخ وفقدان التنوع البيولوجي، من خلال تقليل الانبعاثات الناتجة عن استخراج الموارد واستخدامها.
وتُظهر التجارب الدولية أنّ الدول والشركات التي تستثمر في التكنولوجيا النظيفة، وتحسين كفاءة العمليات، وتطوير أنظمة إدارة الموارد، تستطيع تحقيق نتائج اقتصادية وبيئية أفضل في آن واحد. لذلك، تُعدّ كفاءة استخدام الموارد الطبيعية ركيزة أساسية لبناء مستقبل أكثر استدامة، وتتطلب:
- تعزيز الابتكار والحلول النظيفة.
- دعم الاقتصاد الدائري.
- تحسين إدارة النفايات والموارد.
- تشجيع الأفراد والمؤسسات على تبنّي ممارسات استهلاكية أكثر وعيًا، بما يحافظ على الموارد الطبيعية ويعزز التنمية المستدامة.
- ما هي البصمة الكربونية للمنتج؟
عندما نشتري منتجًا ما، قد لا نرى الأثر البيئي المرتبط برحلته قبل وصوله إلينا؛ بدءًا من استخراج المواد الأولية وتصنيعها، مرورًا بالنقل والاستخدام، وصولًا إلى مرحلة التخلّص منه أو إعادة تدويره. وهنا يبرز مفهوم البصمة الكربونية للمنتج، وهي إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن مختلف مراحل دورة حياة المنتج، والتي تُقاس عادةً بكمية ثاني أكسيد الكربون أو ما يعادله من الغازات الأخرى. وتكمن أهمية هذا المفهوم في تحويل الأثر البيئي للمنتجات إلى بيانات قابلة للقياس، بما يساعد الشركات على تحديد المراحل الأكثر تسببًا في الانبعاثات والعمل على الحد منها، من خلال تحسين كفاءة الإنتاج، واستخدام مواد أكثر استدامة، والاعتماد على مصادر طاقة أقل تأثيرًا على البيئة. كما يتيح للمستهلكين اتخاذ قرارات أكثر وعيًا، ويشجع على تطوير منتجات تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية البيئية. ولا تقتصر البصمة الكربونية على مرحلة التصنيع، بل تشمل كامل سلسلة القيمة المرتبطة بالمنتج. لذلك، فإنّ تحسين تصميم المنتجات، وإطالة عمر استخدامها، وتقليل استهلاك الموارد، وتعزيز إعادة الاستخدام والتدوير، تعدّ من الوسائل الأساسية لخفض الانبعاثات. كما أصبحت العديد من المؤسسات تعتمد قياس البصمة الكربونية كأداة لتحسين أدائها البيئي والاستعداد للتحوّل نحو اقتصاد منخفض الكربون.
وبذلك، تمثّل البصمة الكربونية وسيلة مهمة لفهم العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك وتغيّر المناخ، وتوفّر أساسًا لاتخاذ قرارات أكثر مسؤولية تساعد على تحقيق التوازن بين النشاط الاقتصادي وحماية البيئة. - كيف يسهم الاقتصاد الدائري في تحقيق الهدف الثاني عشر؟
يمثّل الاقتصاد الدائري تحوّلًا في طريقة التفكير في الإنتاج والاستهلاك، إذ يستبدل النموذج التقليدي القائم على الاستخراج والاستخدام والتخلّص بنموذج يحافظ على قيمة الموارد ويُبقيها قيد الاستخدام لأطول فترة ممكنة. ويقوم هذا النهج على تقليل الهدر، وإعادة إدخال المواد في دورة الإنتاج، وتحويل النفايات إلى موارد يمكن الاستفادة منها، بما يدعم تحقيق أنماط استهلاك وإنتاج أكثر مسؤولية واستدامة. ولا يقتصر الاقتصاد الدائري على معالجة النفايات، بل يبدأ من مرحلة تصميم المنتجات وتطوير العمليات الإنتاجية. فهو يشجّع على إنتاج سلع أكثر متانة وقابلة للإصلاح وإعادة الاستخدام، ويحفّز الشركات على اعتماد نماذج إنتاج مبتكرة تقلل الاعتماد على الموارد الأولية وتحدّ من الآثار البيئية. كما يسهم في خلق فرص اقتصادية جديدة من خلال مجالات مثل إعادة التصنيع، واستعادة المواد، والخدمات القائمة على المشاركة.
ويمتد تطبيق هذا النموذج إلى مختلف القطاعات، من الصناعة والزراعة إلى الطاقة وإدارة الموارد. ففي القطاع الغذائي، يساعد الاقتصاد الدائري على الحد من فقد الأغذية والاستفادة من المخلّفات العضوية، بينما تساهم حلول إعادة التدوير واسترجاع المواد في تحسين إدارة الموارد وتقليل الضغوط البيئية. كما يفتح المجال أمام الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة لتطوير ابتكارات وحلول مرتبطة بالاستدامة.
وتُبرز تجارب دولية عدة أهمية هذا التحول؛ فقد جعلت هولندا الاقتصاد الدائري محورًا في سياساتها الوطنية من خلال تعزيز الابتكار وتقليل الاعتماد على الموارد الأولية. كما وضعت فنلندا استراتيجية وطنية تهدف إلى تعزيز الاستخدام الذكي للموارد وتطوير حلول إنتاج مستدامة. أما اليابان، فقد طوّرت منظومة متقدمة لإدارة الموارد وإعادة تدوير المنتجات، ولا سيما الأجهزة الإلكترونية، عبر تشريعات تشجع على استعادة المواد وإعادة استخدامها. وبذلك، يشكل الاقتصاد الدائري أحد المسارات الأساسية لتحقيق الهدف الثاني عشر، من خلال:
- تعزيز تصميم المنتجات المستدامة.
- تطوير نماذج إنتاج واستهلاك أكثر كفاءة.
- دعم الابتكار والحلول الخضراء.
- تعزيز مشاركة الشركات والمستهلكين في الاستخدام المسؤول للموارد، بما يحقق توازنًا بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.
- كيف يمكن للمشتريات العامة المستدامة أن تدعم الاستهلاك والإنتاج المسؤولين؟
تُعدّ المشتريات العامة المستدامة من الأدوات الأساسية لتحقيق الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، نظرًا إلى حجم الإنفاق الحكومي الكبير على السلع والخدمات والأشغال العامة. فمن خلال إدراج معايير بيئية واجتماعية واقتصادية في قرارات الشراء، تستطيع الحكومات توجيه الأسواق نحو أنماط إنتاج واستهلاك أكثر مسؤولية، بحيث لا يعتمد الاختيار على السعر فقط، بل يشمل أيضًا كفاءة استخدام الموارد والطاقة، وجودة المنتجات، وأثرها البيئي طوال دورة حياتها. وتسهم هذه المشتريات في تحفيز القطاع الخاص على تطوير حلول أكثر كفاءة، من خلال تشجيع الشركات على اعتماد تقنيات نظيفة، وتحسين عمليات الإنتاج، والحد من الانبعاثات والنفايات. كما تساعد على تعزيز تنافسية المؤسسات التي تستثمر في الابتكار والمسؤولية البيئية، وتدعم انتشار المنتجات والخدمات ذات الأثر البيئي المنخفض.
لقد أثبتت تجارب دولية عديدة فعالية هذا النهج؛ ففي الاتحاد الأوروبي أصبحت المشتريات العامة الخضراء جزءًا من السياسات البيئية لدعم كفاءة الطاقة والاقتصاد الدائري وخفض الانبعاثات، كما طوّرت كوريا الجنوبية نظامًا وطنيًا للمشتريات الخضراء أسهم في توسيع سوق المنتجات الصديقة للبيئة وتعزيز الابتكار الصناعي.
وفي لبنان، يشهد مجال المشتريات العامة المستدامة تطورًا تدريجيًا في إطار إصلاح منظومة الشراء العام. فقد شكّل قانون الشراء العام رقم 244/2021 نقطة تحوّل أساسية في تحديث الإطار التشريعي، إذ أرسى مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية والمنافسة، وفتح المجال أمام إدماج الاعتبارات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية في عمليات الشراء العام. وقد اضطلع معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي بدور محوري في هذا المسار، من خلال إعداد مشروع القانون بالتعاون مع خبراء وطنيين ودوليين، ثم مواصلة دعم تطبيقه عبر إعداد الأدلة، وتطوير السياسات والأدوات التطبيقية، وتنفيذ برامج التدريب وبناء القدرات للمسؤولين عن الشراء العام. ويُتوقع أن يُسهم هذا التوجه في تحسين كفاءة استخدام الموارد العامة، واقتناء منتجات وخدمات ذات جودة أعلى وتكلفة أقل على امتداد دورة حياتها، إلى جانب دعم الاقتصاد الأخضر وتحفيز الابتكار. - ما دور الابتكار والتكنولوجيا في الحد من استنزاف الموارد؟
أصبح الابتكار والتكنولوجيا من أهم العوامل التي تساعد العالم على مواجهة تحدي استنزاف الموارد الطبيعية، إذ تتيح الانتقال من نموذج يعتمد على الاستهلاك المكثف للمواد والطاقة إلى نموذج أكثر كفاءة يقوم على الاستخدام الذكي للموارد وتقليل الهدر. فالتكنولوجيا لا تعني فقط تطوير أدوات جديدة، بل تشمل إعادة تصميم طرق الإنتاج والاستهلاك بما يحقق قيمة أكبر من الموارد المستخدمة ويحدّ من آثارها البيئية.
وتُسهم الحلول التكنولوجية في تحسين كفاءة استخدام الموارد عبر مراقبة استهلاك المياه والطاقة، وتحليل البيانات، وأتمتة العمليات الإنتاجية، مما يساعد المؤسسات على اكتشاف مصادر الهدر واتخاذ قرارات أكثر دقة. كما تتيح الابتكارات الحديثة تطوير منتجات أكثر متانة، وتحسين قدرتها على الإصلاح وإعادة الاستخدام، وتعزيز استرجاع المواد، بما يقلل الحاجة إلى استخراج موارد جديدة.
ويمتد دور التكنولوجيا إلى قطاعات متعددة؛ ففي الزراعة، تساعد تقنيات الاستشعار والري الذكي على تقليل استهلاك المياه وتحسين الإنتاجية، بينما تساهم المنصات الرقمية في تحسين إدارة سلاسل الإمداد والحد من فقد الأغذية. وفي مجال النفايات، تتيح أنظمة الفرز الذكي والتتبع الرقمي رفع كفاءة الجمع والمعالجة وتعزيز استعادة المواد القابلة للاستخدام. وتُبرز تجارب دولية عديدة أهمية الابتكار في هذا المجال. فقد اعتمدت اليابان تقنيات متقدمة في إعادة تدوير الموارد وإدارة النفايات الإلكترونية، مما ساعدها على تقليل الفاقد واستعادة مواد ذات قيمة اقتصادية. كما طوّرت هولندا حلولًا مبتكرة لدعم الاقتصاد الدائري، من خلال تشجيع إعادة استخدام المواد وتطوير نماذج إنتاج أكثر كفاءة. أما الدنمارك، فقد استفادت من التكنولوجيا في تعزيز كفاءة الطاقة وتوسيع استخدام مصادر الطاقة المتجددة. وفي لبنان، بدأت تظهر مبادرات تعتمد على الابتكار والتكنولوجيا لمعالجة تحديات الموارد، من خلال توسع استخدام الطاقة الشمسية، وتطوير حلول رقمية في مجالات إدارة المياه والطاقة والنفايات، إضافة إلى دعم الشركات الناشئة التي تقدم حلولًا بيئية مبتكرة.
وفي المحصّلة، يشكّل الابتكار التكنولوجي أداة استراتيجية لتحقيق الهدف الثاني عشر، لأنه يساعد على فصل النمو الاقتصادي عن الاستهلاك المفرط للموارد، ويتيح بناء أنظمة إنتاج واستهلاك أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة للتحديات البيئية المستقبلية. - ما دور التعاون الدولي في تحقيق الهدف الثاني عشر؟
لا تعرف الموارد الطبيعية حدودًا جغرافية، كما أنّ آثار أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة تمتدّ من دولة إلى أخرى. لذلك، فإنّ تحقيق الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة لا يمكن أن يعتمد على جهود فردية، بل يتطلب تعاونًا دوليًا يربط بين الخبرات، والسياسات، والموارد، من أجل بناء أنظمة إنتاج واستهلاك أكثر كفاءة ومسؤولية. ويؤدي التعاون الدولي دورًا أساسيًا في مساعدة الدول على الانتقال من مرحلة الوعي بأهمية الاستدامة إلى مرحلة التطبيق الفعلي، من خلال تبادل المعرفة ونقل التكنولوجيا وتطوير السياسات الداعمة للاستخدام الرشيد للموارد. كما يتيح للدول الاستفادة من التجارب الناجحة في مجالات متعددة، مثل الإنتاج النظيف، وكفاءة الطاقة، وإدارة النفايات، والحد من فقد الأغذية، بما يساعد على إيجاد حلول أكثر ابتكارًا وفعالية للتحديات المشتركة.
وتُسهم المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والبنك الدولي، في دعم هذا التحوّل عبر توفير الخبرات الفنية، وتمويل المشاريع، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية، إضافة إلى تشجيع الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني. كما تساعد الاتفاقيات الدولية على تنسيق الجهود العالمية لمعالجة القضايا التي تتطلب تعاونًا عابرًا للحدود، مثل إدارة النفايات الخطرة، والتلوث، والاستخدام المستدام للموارد. وتُظهر التجارب الدولية أهمية هذا التعاون؛ فقد ساهمت برامج الاتحاد الأوروبي المشتركة في دعم تطوير سياسات المشتريات العامة الخضراء، وتعزيز كفاءة الموارد في مختلف القطاعات. وفي لبنان، يشكل التعاون مع الشركاء الدوليين عنصرًا داعمًا لمسار التحوّل نحو الاستهلاك والإنتاج المسؤولين، من خلال برامج بناء القدرات، ودعم إصلاحات إدارة النفايات، وتعزيز المعرفة حول الممارسات المستدامة، بما يساعد المؤسسات العامة والقطاع الخاص على تطوير حلول أكثر كفاءة.
وفي المحصّلة، يمثّل التعاون الدولي ركيزة أساسية لتحقيق الهدف الثاني عشر، لأنه يوفّر الإطار الذي يجمع الخبرات والابتكارات والموارد اللازمة لتسريع التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة، يوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية. - ما هي التحدّيات التي تواجه تمويل تحقيق الهدف الثاني عشر في الدول العربية؟
يُعدّ تمويل التحوّل نحو أنماط استهلاك وإنتاج أكثر استدامة من أبرز التحديات التي تواجه الدول العربية في مسار تحقيق الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة. فاعتماد نماذج إنتاج أكثر كفاءة في استخدام الموارد، وتطوير أنظمة حديثة لإدارة النفايات، وتشجيع الاقتصاد الدائري، يتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية، والتكنولوجيا، وبناء القدرات، في وقت تواجه فيه العديد من الدول ضغوطًا مالية واقتصادية تحدّ من قدرتها على تخصيص الموارد اللازمة لهذه التحولات.
وتبرز إدارة النفايات كأحد المجالات التي تحتاج إلى تمويل مستدام، إذ ما زال العديد من الدول العربية تعتمد بدرجات متفاوتة على أساليب تقليدية في الجمع والطمر، مع محدودية الاستثمارات في الفرز من المصدر، وإعادة التدوير، واسترداد الموارد.
إضافة إلى ذلك، تواجه المؤسسات العامة والقطاع الخاص تحديات مرتبطة بغياب الحوافز المالية الكافية، ومحدودية الوصول إلى التمويل الأخضر، وضعف دمج معايير الاستدامة في القرارات الاستثمارية. كما يحتاج العديد من الدول إلى تعزيز أنظمة البيانات والرصد لقياس استهلاك الموارد، وكميات النفايات، وأثر السياسات المتبعة، بما يساعد على توجيه الاستثمارات نحو المجالات الأكثر تأثيرًا.
ورغم هذه التحديات، بدأ بعض الدول العربية باتخاذ خطوات لتعزيز التمويل المستدام، من خلال تطوير استراتيجيات الاقتصاد الدائري، وإطلاق مبادرات للتمويل الأخضر، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص. وتبرز تجارب مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في الاستثمار في الطاقة النظيفة، وإدارة الموارد، وتطوير حلول مبتكرة لتقليل النفايات.
لذلك، يتطلب تحقيق الهدف الثاني عشر:
- تعزيز التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات المالية.
- توسيع أدوات التمويل المستدام.
- دعم الابتكار، بما يسرّع الانتقال نحو اقتصاد أكثر كفاءة في استخدام الموارد وأكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة.
- وصولًا إلى 2030: ما هي السياسات المقترحة لتسريع التقدّم في تحقيق الهدف الثاني عشر؟
يتطلّب تحقيق الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، تغييرًا عميقًا في طريقة تعامل المجتمعات والاقتصادات مع الموارد الطبيعية. فالتحدي لم يعد يقتصر على وضع سياسات للاستدامة، بل أصبح يتمثل في تسريع تنفيذها وتحويلها إلى ممارسات فعلية تعيد تشكيل أنظمة الإنتاج والاستهلاك، وتحدّ من الهدر، وتفصل النمو الاقتصادي عن الاستنزاف المفرط للموارد.
وتتطلب المرحلة المقبلة اعتماد مجموعة متكاملة من السياسات، في مقدّمها تسريع الانتقال نحو الاقتصاد الدائري من خلال تعزيز إعادة الاستخدام، وإعادة التدوير، وتصميم منتجات أكثر قابلية للاستدامة وإطالة عمرها الافتراضي. كما يبرز تطوير أنظمة متكاملة لإدارة النفايات كأولوية أساسية، عبر تحسين عمليات الجمع والفرز والمعالجة، والاستثمار في الحلول التي تسمح بتحويل النفايات إلى موارد اقتصادية.
كذلك، تكتسب مساندة القطاع الخاص في التحوّل نحو الإنتاج المستدام أهمية كبيرة، من خلال تشجيع الشركات على اعتماد تقنيات أكثر كفاءة في استخدام المواد والطاقة، وتحسين سلاسل الإمداد، والإفصاح عن أدائها البيئي. وفي هذا الإطار، تشكل المشتريات العامة المستدامة أداة استراتيجية لتوجيه الأسواق، عبر إدماج المعايير البيئية والاجتماعية في القرارات الحكومية المتعلقة بشراء السلع والخدمات.
وتتطلب الجهود المستقبلية أيضًا تعزيز أنظمة البيانات والرصد لقياس استهلاك الموارد، ومتابعة هدر الغذاء، وتقييم أثر السياسات المتبعة، بما يسمح باتخاذ قرارات مبنية على الأدلة. كما يبقى الابتكار والتكنولوجيا النظيفة عنصرين حاسمين في تطوير حلول جديدة تقلل استهلاك الموارد والطاقة وتدعم التحول نحو أنماط إنتاج أكثر كفاءة. ولا يكتمل هذا التحول من دون تعزيز وعي المستهلكين وتمكينهم من اتخاذ خيارات أكثر مسؤولية، إلى جانب توسيع التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني. فالاستهلاك والإنتاج المستدامان ليسا مسؤولية جهة واحدة، بل نتيجة لتغيير جماعي في السياسات والممارسات والسلوكيات.
وبحلول العام 2030، يتوقف نجاح تحقيق الهدف الثاني عشر على قدرة الدول على الانتقال من تبني المبادئ إلى تطبيق حلول عملية، بما يضمن استخدامًا أكثر كفاءة للموارد الطبيعية، واقتصادًا أكثر مرونة، وتنمية مستدامة تجمع بين الازدهار الاقتصادي وحماية البيئة.
لمعرفة المزيد حول أهداف التنمية المستدامة
- موقع أهداف التنمية المستدامة في لبنان: http://sdglebanon.pcm.gov.lb/
- موقع الأمم المتحدة في لبنان: http://www.lebanon.un.org
- الأمم المتحدة: تقرير أهداف التنمية المستدامة للعام 2025
- الأمم المتحدة: تقرير الأمم المتحدة حول أهداف التنمية المستدامة للعام 2026
- موقع الإسكوا: https://www.unescwa.org/ar
- موقع الإسكوا – المنتدى العربي للتنمية المستدامة 2024: https://www.unescwa.org/ar/events-2024
- موقع الإسكوا: التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة في المنطقة العربية في العام 2025
- موقع معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي- المكتبة المالية: https://www.institutdesfinances.gov.lb/library
- زيارة المكتبة المالية – معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، 512 كورنيش النهر، مبنى نقابة صيادلة لبنان









