إحسان مرتضى – كاتب وباحث
تشهد العلاقات الأميركية – الصينية، في المرحلة الراهنة، تحوّلات عميقة تتجاوز منطق التنافس الاقتصادي التقليدي، لتأخذ شكل صراع بنيوي متعدد الأبعاد يتعلّق بإعادة تشكيل النظام الدولي وتوازنات القوة الإقليمية والعالمية، وذلك في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها أزمات الطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ولا سيما في ظل التوتر القائم حول مضيقَي هرمز وباب المندب.
لكن، في الآونة الأخيرة، امتدّ الصراع إلى مجالات استراتيجية مستحدثة تشمل التكنولوجيا المتقدمة، الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، القوة العسكرية، والممرات البحرية الحيوية. والصراع على التكنولوجيا لم يعد مجرّد تنافس صناعي، بل تحوّل إلى أداة مركزية في إعادة تعريف القوة العالمية.
محاولات تواصل، لكن ماذا بعد؟
لقد اكتسبت فكرة تحويل الحدود إلى صلات وصلٍ بين الدول والقارات زخمًا في السنوات الأخيرة، إذ أُطلقَت عدة مشاريع تهدف إلى إنشاء ممرّاتٍ اقتصادية تربط بين آسيا وأوروبا، أبرزها مبادرة الحزام والطريق الصينية والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وعلى الرغم من أنّ المشروعَين يرميان إلى إنشاء شبكاتٍ اقتصادية متكاملة تتجاوز الحدود الوطنية، فمن غير المرجّح أن يُغيّرا حقيقة التنافس الجيوسياسي الدائم. بل قد يُسهمان حتى في مفاقمة التشنّجات بين الدول، بسبب التنافس الحاد والتوزيع غير المتكافئ للمكاسب بين الجهات المُشارِكة مع الفريقين وسياساتهما القائمة على إدماج بعض الدول وإقصاء بعضها الآخر. ولم يحقّق التطور الاقتصادي السريع الذي احرزته الصين وزيادة انخراطها وانفتاحها على العالم، التقارب الذي كان ينشده النظام الرأسمالي الحر بقيادة واشنطن. فقد اختار القادة الصينيون العمل على إعادة تشكيل النظام الدولي بما يتوافق ومبادئهم ومصالحهم القائمة على الانفتاح ومبادئ «عدم التدخُّل» وامتثال «الحياد» كأُسُسٍ لسياستهم الخارجية، الأمر الذي دفع واشنطن إلى التصدي لتحدّي بكين، واعتماد نهج تنافسي معها، تجلّى بوضوحٍ مع دخول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض منذ العام 2017. وهذا ما أوضحه أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد جون ميرشايمر بقوله: «إنّ القوة العظمى القائمة سوف تنخرط باستمرارٍ في استراتيجيات تنافسية تجاه القوة العظمى الصاعدة لمنعها من أن تصبح منافسة لها، وذلك ببساطةٍ لأنّ عدم اليقين بشأن النوايا يحفّز القوة العظمى القائمة على التصرف وفق أسوأ السيناريوهات المستقبلية لسلوك القوة العظمى الصاعدة». ولذلك وصف ميرشايمر سياسة المشاركة والانفتاح التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأميركية منذ ثمانينيات القرن الماضي في التعامل مع الصين بأسوأ خطأ استراتيجي ترتكبه أي دولة في التاريخ الحديث، وأنّه «لا يوجد مثال لقوة عظمى تعمل بنشاطٍ على تعزيز صعود منافس لها».
الخلل الكبير في موازين القوى
معلوم أنّه منذ مطلع القرن الواحد والعشرين حققت الولايات المتحدة الأميركية تفوّقًا استراتيجيًا وأيديولوجيًا عالميًا غير مسبوق، أخذ اسم «نهاية التاريخ»، مما أحدث خللًا صارخًا في موازين القوى لصالحها ومكّنها من فرض الهيمنة الشاملة على العالم وتكريس سياسة القبضة الحديدية في العقوبات واستخدام التفوق العسكري الكاسح لحماية مصالحها الذاتية وتقييد طموحات الدول المناوئة، فأخضعت النظام العالمي بأسره لقواعد هي في صلب متطلبات واحتياجات اقتصادها الذاتي.
ومع تنامي العولمة وصعودها، أفاد دمج الصين، في النظام الدولي الليبرالي (منظمة التجارة العالمية)، الاقتصاد الأميركي أيضًا. وضمنت واشنطن استمرار الوصول إلى السوق المحلية المزدهرة في الصين، وبالتالي ضمنت استمرار تصدير منتجاتها، وفرص العمل لمزارعيها وعمّالها وشركاتها. وأصبحت الصين بالفعل واحدة من أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة بحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
وكانت النية في أساس هذا التوجه، أن يؤدي إلى تغيير سلوك الصين في الأمد البعيد، وتحويلها إلى صاحبة مصلحة ومسؤولية في النظام الدولي الحر الذي تقوده أميركا. وبالفعل عرفت العلاقات الصينية – الأميركية أكثر اللحظات استقرارًا في حقبة ما بعد الحرب الباردة، لأسباب منها: أنّ الحرب على الإرهاب، بعد عملية بُرجَي التجارة العالميَّين في أيلول من العام 2001، صرفت انتباه واشنطن عن التحدي طويل الأمد مع الصين، وثانيًا جاء قرار الصين بالانخراط في دعم الولايات المتحدة في الحرب العالمية ضد الإرهاب. ثم أخيرًا، كان يُعتقد أنّ من شأن سياسة المشاركة المستمرة أن تحفّز بكين على مدّ يد المساعدة في قضايا الأمن الإقليمية والدولية. لكن واشنطن نظرت بكثيرٍ من القلق إلى توسّع الصين، واعتبرت أنّ مشاريعها الطموحة مثل طريق الحرير الهادفة لربط الاقتصاد الصيني بقاراتٍ ثلاث، وتسريع إيصال بضائع المصنّع الأول في العالم برًا وبحرًا وجوًا، تشكّل خطرًا بالنسبة إلى الحضور الأميركي الذي لا ينحصر بالتجارة والاقتصاد.
فحاولت أميركا منافستها من خلال التعاون مع ست عشرة دولة أخرى، ووقّعت خطة مع تايوان في أيلول 2020 لتقديم برامج تمويل البنية التحتية فيها، كما أطلقت مشروعًا في أيلول 2023، خلال قمة مجموعة العشرين التي تغيَّب عنها الزعيم الصيني في نيودلهي، لإنشاء طريق تجاري يربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط من خلال ممرات برية وبحرية شرقية وشمالية لإيقاف التمدّد الصيني العالمي على كل المستويات، بتفعيل التناقضات بين نيودلهي وبكين، بخاصةٍ وأنّ الهند رفضت الانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق بسبب نزاعاتها الحدودية مع الصين. ولم تقف واشنطن عند هذا الحد، بل بدأت حربًا تجارية ضد الصين منذ منتصف العام 2018، تحولت إلى أخطر اضطراب في التجارة العالمية منذ تسعة عقود.
وتصاعدت حدّة التوتر بين العملاقَين خصوصًا حول صناعة الرقائق الإلكترونية لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، إذ قامت واشنطن بمنع شركاتها من بيع الصين أنواعًا محددة من الرقائق، لحرمانها من التحوّل إلى قوة تكنولوجية عظمى، فردّت الصين بتقييد صادرات بعض المعادن المستخدمة في صناعة الرقائق والإلكترونيات إلى الولايات المتحدة. وتُعد قضية الرقائق هذه قضية أمن قومي بالنسبة إلى الولايات المتحدة، إذ تحاول إبقاء قدراتها التنافسية في أعلى مستوياتها، بينما تحاول بكين الاكتفاء الذاتي من الدوائر الإلكترونية المتكاملة، التي تُستخدم في مختلف الصناعات التكنولوجية من الهواتف الذكية إلى أجهزة الحاسوب والسيارات وحتى الصواريخ والأسلحة النووية والأقمار الصناعية. وتمثّل تايوان نحو 92% من الإنتاج العالمي لصناعة أشباه الموصلات ما يجعلها المزوّد الرئيس للغالبية العظمى من الرقائق التي تعمل عليها أكثر الأجهزة تقدّمًا في العالم، ولذلك تعد تايوان حيوية جدًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة كما هي بالنسبة للصين.
مرحلة انتقالية
يشهد النظام الدولي مرحلة انتقالية غير مكتملة، تتّسم بتراجع الأحادية القطبية الأميركية من دون الوصول إلى تعددية مستقرة أو حسم نهائي لاتجاه النظام العالمي. هذا في وقت تُبدي فيه الصين رغبةً في تسوية الصراع مع الأميركيين عبر الحوار والتفاهمات الثُنائية، وتحاول أن تتجنَّب الدخول في استقطاب استراتيجي، ومع ذلك فإنَّ حالة التنافُس ستظلّ قائمة. وفي السياق تشكّل السيطرة على أمن الطاقة والحفاظ على أمن «إسرائيل» إلى جانب التصدي للأنظمة والقوى الإقليمية المناوئة، أهم أسس ومحددات السياسة الخارجية الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط. فيما تشكل المصالح الاقتصادية والأهمية النفطية أساس الاهتمام في السياسة الخارجية الصينية. وقد نشرت وزارة الخارجية الصينية ثلاث وثائق رسمية، تناولت الأولى تاريخ الهيمنة الأميركية ومخاطرها، والثانية مبادرة الأمن العالمي، والثالثة موقف الصين من الأزمة الأوكرانية. وركّزت الوثيقة الأولى على انتقاد تاريخ الهيمنة الأميركية وتداعياته على السلام والأمن الدوليَّين، وسعت الصين من خلال هذه الوثيقة إلى إظهار نفسها كقوةٍ عالمية مسؤولة، تسعى إلى بناء نظام دولي أكثر عدلًا وتوازنًا.
ومن هذا المنطلق انخرطت في تنافس سياسي ودبلوماسي مع الولايات المتحدة من خلال إنشاء المؤسسات الموازية وتطويرها. فتم توسيع منظمة شنغهاي الخماسية للتعاون، والتي تضم الصين، كازاخستان، قرغيزستان، روسيا وطاجيكستان، لتشمل أيضًا دولًا مثل إيران. وركّزت المنظمة، حتى الآن، على معالجة قضايا واهتمامات أعضائها، مثل جهود مكافحة التطرف والتنمية الاقتصادية في حين أعطت الولايات المتحدة الأولوية لاستقرار الدول الحليفة لها في المنطقة وضمان أمنها.







