إحسان مرتضى – كاتب وباحث
شكّلت منطقة شرق البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر الساحات الجيوسياسية تنافسًا وتصادمًا في العالم، حيث تتداخل موارد الطاقة، والحدود البحرية، وممرات الربط التجاري الاستراتيجي، في إعادة رسم موازين القوى الإقليمية. وفي صدارة هذا المشهد برزت تركيا و”إسرائيل“، اللتان كانتا تتمتعان بعلاقات استراتيجية وثيقة في الماضي، قبل أن تنقلب الأمور بينهما رأسًا على عقب بفعل حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على غزة، وتبدّل شبكة المصالح في المنطقة، وحصول التحوّلات السياسية في سوريا.
حاليًا، يسعى كل من الجانبين إلى ترسيخ رؤية مختلفة لدوره الإقليمي، عبر بناء شبكات للطاقة والبنية التحتية والتجارة، تجعل منهما محورَين رئيسَين يربطان أوروبا وآسيا بالشرق الأوسط. وقد وصل التوتر بين الجانبين إلى مستوى حاد دفع بعض المراقبين إلى التحذير من احتمال انزلاقه نحو مواجهة مسلّحة، قد تكون سوريا وشرق البحر المتوسط أبرز ساحاتها المحتملة.
المواجهة الاستراتيجية
يتفق الأتراك، على اختلاف توجهاتهم السياسية، على النظر إلى حكومة نتنياهو بوصفها مجموعة من المتطرفين الذين يسعون إلى السيطرة على الأراضي الممتدة من النيل إلى الفرات، تمهيدًا لإقامة ما يعرف بـ «إسرائيل الكبرى» التي ورد الوعد المزعوم بها في التوراة. وينظر كل من الطرفين، التركي والإسرائيلي، إلى الآخر باعتباره القوة التي تسعى إلى عرقلة نفوذه ومصالحه الحيوية في الإقليم وتهديدها، في الوقت الذي يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الحيلولة دون انفلات الموقف بينهما وخروجه عن السيطرة. فالأميركيون يريدون إنتاج صيغة تسوية تتيح لواشنطن الإمساك بموقع الآمر الناهي في كل الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة. غير أنّ هذه الصيغة تستلزم تعديلات، تتعلّق بموقع «إسرائيل» على طاولة القرار الأميركي. وإذا كان الجدل هنا يتصاعد حول دور بنيامين نتنياهو، فإنّ ذلك لا يعني تراجع مكانة «إسرائيل» في الحسابات الأميركية، بقدر ما يعكس نقاشًا متناميًا حول ضرورة الفصل بين مصالح نتنياهو الشخصية والمصالح الاستراتيجية للكيان. وبالتالي ليس الهدف تغيير الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة، بل تعديل أسلوب إدارتها وآليات عملها، بما يدفع تل أبيب للانخراط في تسويات تعتبرها واشنطن ضرورية لإعادة ترتيب الأوراق وفق مصالحها أولًا. ويولي الرئيس ترامب أهمية استراتيجية كبرى لتركيا كونها عضوًا في حلف شمالي الأطلسي وتمتلك قدرات عسكرية كبيرة، وكونها تضم قاعدة إنجرليك الجوية التي أدت دورًا مهمًا في الدعم اللوجستي للقوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، ما منح واشنطن ميزة عملانية كبرى ضد إيران. كما أدت الحرب والضغوط الكبرى التي تعرضت لها إيران إلى تقليص نفوذها الإقليمي، ما خلق فراغًا استراتيجيًا سارعت تركيا لملئه دبلوماسيًا واقتصاديًا. وفي السياق أثارت زيارة ترامب إلى أنقرة للمشاركة في قمة حلف شمالي الأطلسي، إلى جانب تصريحاته الودية العلنية تجاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حالة من القلق الشديد لدى «إسرائيل».
وكانت العلاقات بين تركيا و«إسرائيل» قد بلغت أدنى مستوياتها في العام 2010، عندما داهمت قوات كوماندوس إسرائيلية سفينة «مافي مرمرة» في المياه الدولية، بينما كانت متجهة إلى غزة في محاولة لكسر الحصار الخانق المفروض عليها. ومن ثم وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حكومة أردوغان بأنّها «كيانٌ معادٍ لإسرائيل»، ووصف تركيا بأنّها «إيران المقبلة، بل إنّها خطر يفوق إيران». ودعا إلى تجنُّب أي خطوات قد تخلّ بالتوازن العسكري في المنطقة على حساب «إسرائيل»، ولا سيما مشروع تزويد تركيا بمقاتلات «إف-35» وغيرها من الأسلحة المتطورة. كما تعود الجذور الأساسية للمواجهة بين الجانبين إلى القضية الفلسطينية والموقف من حركة «حماس». فتركيا تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية، وتتعامل مع «حماس» باعتبارها حركة مقاومة وتحرر وطني تواجه الاحتلال، وكيانًا سياسيًا يتمتع بالشرعية. في حين تتّهم «إسرائيل» أنقرة بأنّها من أبرز الداعمين لـ «حماس»، التي تصنّفها منظمة إرهابية وترى فيها تهديدًا وجوديًا لها. كما تمثل سوريا ساحة أخرى للتنافس والخلاف، إذ يسعى كل من الطرفين إلى الحد من نفوذ الآخر. وفي السياق قال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إنّه على «إسرائيل» ضمان عدم تمكين تركيا من تثبيت وجود عسكري لها في سوريا. لكن أنقرة تنفي أن يكون وجودها في الأراضي السورية موجهًا ضد «إسرائيل»، وتنتقد حكومة نتنياهو المتطرفة بسبب عدم احترامها السيادة السورية وعرقلتها الجهود الهادفة إلى إعادة إعمارها. وترى تركيا أنّ الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على إبرام اتفاقيات أمنية وبناء تحالفات مع اليونان والقبارصة اليونانيين، فضلًا عن تحركات تل أبيب في شرق البحر المتوسط، تندرج ضمن سياسة عدوانية تسعى إلى تطويقها. وتمتد هذه المواجهة إلى الكونغرس الأميركي، حيث تنسق جماعات الضغط اليهودية واليونانية جهودها المشتركة لعرقلة أي خطوة قد تحقق مكاسب لتركيا، بما في ذلك صفقات بيع الأسلحة ومشروعات التعاون الدفاعي مع واشنطن. كما تعمل «إسرائيل» بدعمها «وحدات حماية الشعب» المعارضة والمرتبطة بـ «حزب العمال الكردستاني» وتزويدها بالمساعدات، إلى جانب جماعات كردية أخرى تتبنى توجهات انفصالية مماثلة في شمال سوريا وإيران ومناطق أخرى، ضمن استراتيجية تهدف إلى ممارسة الضغط على تركيا على امتداد حدودها الجنوبية الشرقية.
لا مواجهة عسكرية
على الرغم من الخطاب الإعلامي الحاد الموجَّه ضد «إسرائيل»، فإنّ تركيا لا ترغب في مواجهة عسكرية مباشرة معها، كما لا ترغب «إسرائيل» أيضًا بتحويل تركيا إلى عدو مباشر. وذلك، على الرغم من أنّ بعض استطلاعات الرأي الدولية يُظهر أنّ تركيا هي من بين الدول التي تسجل أعلى مستويات المشاعر المناهضة لإسرائيل في العالم. غير أنّ تفسير هذه النتائج على أنّها تعبير عن معاداة السامية أو رغبة في القضاء على «إسرائيل»، هو تفسير غير واقعي لأنّه لا يتعدّى، في جوهره، رفض سياساتها التوسعية والعدوانية وما يتعرض له الفلسطينيون، بشكلٍ خاص، من تهميش وظلم تاريخي بالغ القسوة. وعليه، يبدو أنّ نتنياهو لا يتعامل مع تركيا بوصفها دولة يرغب في خوض حرب معها، بل باعتبارها تهديدًا نظريًا يمكن في بعض الأحيان استثماره سياسيًا من خلال تضخيم خطره والتحريض عليه، من دون الانزلاق إلى صدام عسكري مباشر معه.
من ناحية أخرى، يواصل أردوغان ترويجه لمفهوم إعادة الخلافة العثمانية الذي يقوم على توسيع نفوذ أنقرة في سوريا ولبنان وشرق المتوسط والقرن الأفريقي، وتقديم نفسه كزعيمٍ لـ «العالم السني المعتدل»، والداعم الرئيس للقضية الفلسطينية. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، تُعدّ تركيا الآن رصيدًا استراتيجيًا حيويًا، إذ تُشارك في مهام خاصة لوقف تدفقات اللاجئين وتعزيز الأمن في مناطق محددة، أما بالنسبة إلى «إسرائيل»، فهي تتحول تدريجيًا إلى منافس إقليمي عنيد ذي نفوذ عسكري واقتصادي وسياسي متزايد.
حرب باردة جديدة
يرى الدكتور إيتان لاسري، المستشار السابق لرؤساء وزراء ووزراء إسرائيليين، أنّ الحرب الإقليمية الأخيرة على إيران، أكّدت أنّ العالم قد دخل حقبة جديدة من النفعية الجيوسياسية، حيث تم تهميش حقوق الإنسان والديمقراطية وحرية التعبير، بينما تُملي المصالح الأمنية والطاقوية والاقتصادية جدول الأعمال بين الدول. فلم يُلبِّ ترامب كل ما أراده أردوغان، ولم تتم الموافقة على صفقة طائرات إف-35، ومع ذلك، فإنّ التقارب بين واشنطن وأنقرة يُغيّر الوضع الإقليمي. وبالتالي يتعيّن على «إسرائيل» الاستعداد لواقع لا يقتصر فيه التهديد الرئيس على إيران فحسب، بل يشمل أيضًا تعزيز موقع تركيا تدريجيًا كعضوٍ بارز في حلف الناتو، وكقوةٍ عسكرية إقليمية، وشريك مفضَّل للولايات المتحدة في شرق المتوسط. وباختصار، يمكن القول إنّ حربًا باردة جديدة في الشرق الأوسط قد بدأت، والسؤال الآن ليس ما إذا كان سيتعيّن على «إسرائيل» مواجهة التحدي التركي، بل كيف ستفعل ذلك مع الحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وتعزيز التعاون مع اليونان وقبرص ودول اتفاقيات أبراهام، والحفاظ على التفوق العسكري والتكنولوجي الذي استند إليه تفوقها الأمني لعقود.









