المعاون كرستينا عباس


تُعدّ الحياكة على النَّول من أقدم الحرف اليدوية التي عرفها الإنسان. وفي لبنان حملت هذه الحرفة هوية ثقافية واقتصادية خاصة، فنسجت عبر الزمن حكايات القرى وصمود الأهالي خلال مختلف الأزمات. ولطالما تعالت من بين أخشاب النول أصوات ”طق… طق… طق“، كأنها نبض حرفةٍ تمتد جذورها إلى آلاف السنين. ومن خيوطه، نُسجت حكايا من التاريخ والتراث ورُسمت في عباءاتٍ ملوكية بخيوطٍ ذهبية لتزيّن أجساد شخصياتٍ بارزة.
تعود جذور الحياكة في لبنان إلى آلاف السنين، وتحديدًا إلى الحقبة الفينيقية. فقد اشتهر الفينيقيون بصناعة النسيج والأرجوان، وصدّروا أقمشتهم الفاخرة إلى مختلف موانئ البحر الأبيض المتوسط، فأبهروا العالم بسحرها وفخامتها. ومنذ العهد العثماني، ترسّخت هذه الحرفة وتجذّرت في الجبل اللبناني حيث لم يخلُ بيت في القرى والبلدات الجبلية من نولٍ خشبي.
ويُذكر أنّه اشتهر في لبنان ثلاثة أنوال، أحدها للراحل أنطون سعادة في ذوق مكايل الذي امتهن الحرفة في القرن التاسع عشر، وآخر لشيخ من آل فياض في بلدة بشتفين الشوفية، ويُعد من معالم الحرف اليدوية الأصيلة في منطقة الشوف، ونول آل باز في بعذران الشوفية، ويعود إلى العام 1918، حين قرر الشيخ «زيدان أحمد باز» السير في هذا الدرب الحرفي.
في الموروث المرتبط بهذه الحرفة، كانت «ستّ البيت» هي المصنع؛ تغزل صوف الغنم، وتصبغه بقشر الرمان والسماق، ثم تنسج لأفراد عائلتها البُسط التي تدفئهم شتاءً، والأغطية الصوفية، والعباءات، والطرابيش، واللباس التقليدي كالشروال والقمباز. وقد شكّل النول مصدر أمان اقتصادي للعائلة، إذ كانت المرأة تبيع عباءةً لتُطعم أسرتها عندما تضيق الأحوال.

حِرفيون تخلّوا عن آلاتهم
كان النول اليدوي التقليدي يُعرف بـ «النول العربي» وهو نولٌ أفقي، يجلس الحائك أمامه ويستخدم يديه وقدميه لتحريك الخيوط. وقد أتقنت النساء هذه الحرفة وورّثنها لبناتهن، حتى أصبحت جزءًا من «جهاز العروس» ومصدرًا أساسيًا لدعم العائلة.
غير أنّ الحياكة على النول شهدت تراجعًا كبيرًا منذ خمسينيات القرن الماضي مع دخول المصانع الحديثة وانتشار النسيج الآلي المستورد منخفض الكلفة. فقد غزت الأقمشة الصينية والتركية الزهيدة الأسواق، وأصبح شراء القماش الجاهز أقل كلفة من تخصيص شهرٍ كامل لنسجه يدويًا على النول. ولهذا هجر معظم الشباب المهنة، فبينما تتطلب الحياكة ساعاتٍ طويلة من العمل المتواصل، يبقى مردودها المادي محدودًا مقارنةً بمهنٍ أخرى تتيح دخلًا أعلى في وقت أقصر. في هذا السياق، يقول أحد الشبان ممّن تخلوا عن حرفة آبائهم «لماذا عليّ أن أعمل ليلًا نهارًا على آلة النول مقابل أجرٍ زهيد في كل أسبوع، فيما يمكنني أن أربح أضعاف المبلغ إذا عملت في وظيفةٍ أخرى؟».
من هنا، فإنّ آلات النول العاملة في لبنان حاليًا أصبحت معدودة على أصابع اليد، فيما تتزايد التحديات التي تهدد ما تبقى من هذه الحرفة. فصوف الغنم والأصباغ الطبيعية التي تشكّل مواد أساسية في صناعة النسيج اليدوي، ارتفعت أسعارها إلى مستويات خيالية، ونتيجةً لذلك، تحولت المنتجات المنسوجة يدويًا إلى ترفٍ ولا يقتنها إلا عدد محدود من عشاقها والمهتمين بها.
إلى ذلك، تُعتبر الحياكة على النول حرفةً صعبة التعلّم، تتطلب صبرًا طويلًا وشغفًا حقيقيًا وتعلّقًا بتاريخها العريق. لذا، تواجه صعوبةً متزايدة في الاستمرار والمحافظة على مكانتها التاريخية، رغم ما تتميز به من أصالة تنفرد بها بين أساليب الحياكة الأخرى. ويقول أحد الحرفيين: «النول آلة موسيقية لا يعرف سحرها إلّا من يتقن نسج خيوطها»، مضيفًا أنّه يشعر بسعادةٍ لا توصف كلما سمع صوت احتكاك الخشب بالخشب و«رنّة» القصب على القماش.

بصيص أمل
على الرغم من أسعارها الباهظة، ما زال للعباءات المنسوجة على آلة النول عشاقها، وما زالت تحظى بإقبال فئةٍ معينة من الزبائن، ولا سيما رجال الأعمال وبعض الشخصيات الرسمية في الدول العربية. وتختلف أسعار هذه العباءات وفق نوعية الخيوط المستخدمة، والزخارف المقصّبة، والنقشات المطلوبة، فتراوح عمومًا بين 1500 و3000 دولار أميركي. ويعود ارتفاع أسعارها إلى الجهد الكبير والدقة المتناهية اللذين تتطلبهما صناعتها، إذ قد يستغرق إنجاز العباءة الواحدة أكثر من شهرين من العمل المتواصل.
وفي إطار المحافظة على هذه الحرفة، أطلقت جمعيات أهلية مبادرات متعددة رفضًا لاندثار النول. ومن بين هذه المبادرات تنظيم ورش تدريبية لتعليم الحياكة على هذه الآلة، مع إدخال ألوان وأساليب حديثة تشجع الشباب على تعلم هذه المهنة. كما تبرز مبادرات فردية يقودها لبنانيون يسعون إلى إبقاء هذا التراث حيًّا في ذاكرة الأجيال الصاعدة. وتعمل عدة جمعيات أيضًا على الترويج للحرفة ضمن برامجها وأنشطتها، حفاظًا على إرث الأجداد. كذلك بدأ عدد من مصممي الأزياء اللبنانيين بدمج الأقمشة المنسوجة يدويًا في تصاميمهم الحديثة، بهدف إضفاء قيمة تراثية عليها وإبقاء الحرفة حيّة في مواجهة الانتشار الواسع للأقمشة الصناعية المستوردة.

مستقبل وآفاق
لا يكمن مستقبل الحياكة على النول في لبنان في منافسة المصانع، فالتحديات التي ذكرناها سابقًا تحول دون إظهار قيمتها الحقيقية. وقد يكون الحل في تحويلها إلى «صناعة تراثية فاخرة»، الأمر الذي يرتبط بثلاثة محاور رئيسية، أولها السياحة الثقافية، من خلال تحويل مشاغل النول إلى متاحف حيّة تتيح للسائح اللبناني والأجنبي مشاهدة الحائك في أثناء عمله والتعرّف إلى مراحل نسج القماش اليدوي، ما يشجع الفرد على اقتناء قطعةٍ فريدة صُنعت أمامه.
أما المحور الثاني، فيرتبط بالموضة المستدامة، إذ يشهد العالم اليوم توجهًا متزايدًا نحو الأقمشة الطبيعية والصناعات اليدوية الصديقة للبيئة. ومن هنا، يمكن للنول اللبناني أن يجد مكانة مميزة في الأسواق العالمية بوصفه منتجًا بيئيًا يحمل في طياته قصة تراثية تنتقل من جيل إلى آخر.
ويتمثّل المحور الثالث في الدعم الرسمي، وذلك عبر إنشاء تعاونيات للحائكين تسهم في تأمين المواد الخام وتسويق المنتجات، وتشجيع دمج التصاميم العصرية والألوان الحديثة بالنقشات التقليدية لجذب الشباب، فضلًا عن إدراج الحرفة ضمن مناهج التعليم المهني واستثمار المنصات الرقمية في التسويق لها محليًا وعالميًا.
إنّ مستقبل النول اللبناني قد لا يكون في الأسواق التقليدية التي اعتاد الحرفيون بيع منتجاتهم فيها، بل ربما في صالات العرض الفنية، ومتاجر الأزياء الراقية «الهوت كوتور»، والمتاحف الحية التي يقصدها السياح لاكتشاف أسرار هذه الحرفة العريقة.
وإنقاذ النول ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو استثمار في الهوية الثقافية. ففي كل مرة يقتني فيها شخص قطعة منسوجة يدويًا، فإنّه لا يشتري مجرد منتج، بل يقتني ذاكرة جيل بأكمله وخيطًا رفيعًا يصل الحاضر بالماضي، ويعيد وصلنا بفينيقيٍّ كان ينسج القماش ويصبغه بالأرجوان على شواطئنا.
صحيح أنّ هذه الحرفة تواجه اليوم خطر الاندثار، لكنها ما زالت تملك كل المقومات التي تؤهلها للتحول إلى فنٍ للمستقبل. فالحفاظ عليها هو حفاظ على جزء أصيل من تراثنا الثقافي، وإنقاذها هو إنقاذ جزء من هويتنا.

كيف تتم الحياكة على آلة النول؟
تتم الحياكة عبر تقاطع مجموعتين من الخيوط، تُسمّى الأولى خيوط «السدى» وهي الخيوط الأساسية الطولية الثابتة، والثانية خيوط «اللحمة» وهي الخيوط العرضية التي تتحرك.
تبدأ العملية بتركيب السدى، فتُربط الخيوط الأساسية مشدودة بشكل طولي على إطار النول، ثمّ يُستخدم «المكوك» أي الأداة التي تحمل الخيط، لتمرير خيط اللحمة أفقيًا بين خيوط السدى، بحيث يعبر فوق أول خيط وتحت الخيط الذي يليه ذهابًا وإيابًا. بعدها، تُدفع الخيوط العرضية المتراصة إلى الأعلى باستخدام مشط النول لتصبح متلاصقة ومتماسكة وهذا ما يُسمى الرص (الدق). وفي الختام، ينتقل الحائك إلى ما يُسمى «تغيير النفس» حيث تُبدل حركة الخيوط فتُرفع مجموعة وتُخفض مجموعة أخرى، ليعود المكوك في الاتجاه المعاكس، ما يشكّل النسيج المتداخل. وبتكرار هذه العملية، تتكوّن القطعة المنسوجة المطلوبة.