نور كيروز
وسط الغابات الاستوائية الكثيفة التي تمتد من جنوب المكسيك إلى غواتيمالا وبليز وهندوراس والسلفادور، ازدهرت حضارة المايا كواحدة من أكثر الحضارات إبداعًا وغموضًا في العالم القديم.
لم تكن مجرد مدن حجرية وأهرامات شاهقة، بل كانت منظومة حضارية متكاملة جمعت بين الفلك والرياضيات والهندسة والكتابة والفنون، وابتكرت أساليب متقدمة في التنظيم العمراني وإدارة الموارد الطبيعية. ورغم أنّ الغابة ابتلعت معابدها لقرونٍ، وأتلف الغزو الإسباني جانبًا كبيرًا من تراثها المكتوب، إلّا أنّ آثارها ما زالت تكشف، يومًا بعد يوم، عن أسرار شعب سبق عصره في المعرفة والعمارة. وفي رحلة عبر الزمن، نستكشف أبرز مدن المايا، ونقرأ تاريخها من حجارتها، ونتعرّف إلى الإرث الذي ما زال حيًا حتى اليوم.
في أواخر القرن العاشر، كان سكان ولاية تشياباس في جنوب المكسيك، من فلاحين وسكان أصليين، يعرفون بوجود مدينة حجرية قديمة اسمها بالينكي، لكنّها بقيت مجهولة للإسبان الذين غزوا المكسيك وتوسعوا استعماريًا بعد اكتشاف الأميركيتين العام 1519. وعندما وصلت أخبار هذه المدينة إلى سلطات الإمبراطورية الإسبانية، وتحديدًا إلى الملك الإسباني كارلوس الثالث، أمر بإرسال المهندس أنطونيو ديل ريو لاستكشاف الموقع.
وجدت البعثة معابدَ وقصورًا قديمة غمرتها الطبيعة بحزامٍ من الأشجار المتشابكة، فبدت وكأنّ وحشًا أخضرَ ابتلعها بعد جوعٍ. فقد حجبت تقلبات الزمن والكوارث الطبيعية وجشع الإنسان شعبًا رأى في حركة الشمس والقمر أساسًا لعلم الفلك، وفي الحجر الجيري فنًا معماريًا متقنًا، وفي العدّ على الأصابع والحساب مدخلًا إلى الرياضيات والتجارة.
ومن بين تلك الأطلال التي أخفتها الغابات قرونًا، بدأت ملامح حضارة استثنائية تتكشف؛ إنها حضارة المايا، إحدى أرقى حضارات أميركا الوسطى، التي نشأت بفضل تفاعل الإنسان مع بيئته الاستوائية.
حضارة على اتساع الخريطة
انتشرت حضارة المايا في أميركا الوسطى Mesoamerica ممتدّةً من جنوب المكسيك، حيث تقع بالينكي، إلى غواتيمالا وبليز، فغرب هندوراس وغرب السلفادور. وازدهرت ما بين 2000 ق.م. تقريبًا والقرن السادس عشر الميلادي، على مساحة 350 ألف كيلومتر مربع. ولم تكن إمبراطورية موحّدة، بل شبكة من المدن – الدول المستقلة. ورغم تباعدها جغرافيًا، فقد كانت جماعات المايا تتواصل بطرقٍ متعددة، من خلال التجارة وتبادل اليشم والفخار والمنسوجات، ومن خلال التحالفات السياسية والمصاهرات بين الأسر الحاكمة، والتراسل من خلال نظام كتابة هيروغليفية مشترك، ما حافظ على وحدة الهوية الثقافية.
بالينكي والقبر السري
تقع مدينة بالينكي في ولاية تشياباس، جنوب شرقي المكسيك، وسط غابة استوائية كثيفة. وفي العام 1952، حقّق عالِم الآثار المكسيكي ألبرتو روز لويلييه واحدًا من أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين، عندما عثر داخل معبد النقوش على مقبرة الملك باكال.
ويُعد هذا أول قبر ملكي من حضارة المايا يُكتشف بحالة شبه سليمة، بعدما ظل مخفيًا لأكثر من ألف عام. فقد أُغلقت الممرات المؤدية إلى حجرة الدفن بالحجارة عقب دفن الملك، بينما لا تزال أجزاء واسعة من المجمع الأثري مغطاة بالغابات حتى اليوم.
وقد غيّر هذا الاكتشاف فهم العلماء لملوك المايا وطقوس دفنهم وعقائدهم. ففي داخل القبر، عُثر على تابوت حجري ضخم يزن عدة أطنان، يحمل غطاؤه أشهر قطعة أثرية في الموقع، إذ يُصوّر الملك باكال في مشهد رمزي يجسّد شجرة الحياة والعالم السفلي ودورة الموت والبعث، ويعكس الصلة بين السماء والأرض وفق معتقدات المايا.
الحجر سارد القصة
من أبرز المكتشفات أيضًا قناع جنائزي مصنوع من حجر اليشم، وهو من أصلب الأحجار الكريمة وأثمنها لدى حضارات أميركا القديمة، حتى أنّه فاق الذهب قيمةً في نظر المايا. وقد ارتبط اليشم لديهم بالحياة والخلود والسلطة الملكية، لذلك استُخدم في الأقنعة الجنائزية والحلي الخاصة بالملوك والنخبة.
يتوسط الموقع هرم مدرّج يبلغ ارتفاعه نحو 22 مترًا، يرمز إلى المستويات التسعة للعالم السفلي في معتقدات المايا، ويعلوه معبد النقوش، الذي يضم ألواحًا حجرية نُقش عليها أكثر من 600 رمز هيروغليفي، في واحدة من أطول الكتابات التي خلّفتها هذه الحضارة.
تروي هذه النقوش نَسَب الأسرة الحاكمة، وأبرز الأحداث السياسية والدينية، ومنها ولادة الملك باكال، ووفاة والديه، وبناء المعابد والمنشآت، ثم وفاته في العام 683 م، مع تسجيل دقيق للتواريخ وفق تقويم المايا.
أمّا القصر الملكي، فاكتُشفت فيه قاعات للاجتماعات، وأفنية داخلية، وممرات، وأبراج مراقبة فريدة بين مدن المايا، إلى جانب شبكة متطورة لتصريف المياه، ما يُظهر مستوى متقدمًا من التقاء الفن بالهندسة والعمارة في تخطيط المدينة.
ويرى كثير من علماء الآثار أنّ بالينكي تمثّل مرجعًا أساسيًا لفهم حضارة المايا بأكملها، غير أنّ أسرارها لم تُكشف كلها بعد. فبحسب أرنولدو كروز، مدير مشروع التنقيب في بالينكي، وإدوين بارنهارت، المتخصص في رسم خرائط مدن المايا، تفتح التقنيات الحديثة، ولا سيما المسح بالليزر LIDAR، آفاقًا جديدة للكشف عن مواقع أخرى للتنقيب وتعمّق فهم الحضارة الماياوية.
وقد كشفت هذه التقنية بالفعل عن آلاف المباني والطرق والقنوات والمنشآت التي كانت مخفية تحت تشابك غابات أميركا الوسطى، ما يؤكد أنّ حضارة المايا كانت أكثر اتساعًا وتعقيدًا وتطورًا مما كان يعتقده الباحثون لعقود طويلة.
نزهة مع Ixchel وItzam
إذا كانت المكسيك هي المعلم الشمالي لازدهار حضارة المايا (600م-700م) خلال العصر الكلاسيكي، فإنّ غواتيمالا تُعَد قلبها النابض، إذ تحتضن مدينة «إل ميرادور» ومجمع «لا دانتا»، اللذين يعودان إلى العصر ما قبل الكلاسيكي، أي قبل ذروة ازدهار مدن المايا الكلاسيكية بعدّة قرونٍ.
ولنترك الخرائط والكتب قليلًا، ولنرافق الشابين الماياويين Itzam وIxchel في رحلة عبر الزمن إلى قلب الغابة الاستوائية التي احتضنت هذه الحضارة. هناك، ندرك أنّ بناء مدينة في هذا العالم الأخضر لم يكن إنجازًا هندسيًا فحسب، بل تحديًا يوميًا فرضته الطبيعة نفسها. فالحرارة مرتفعة على مدار العام، والرطوبة الخانقة تثقل الحركة والعمل، فيما تحجب الأشجار العملاقة أشعة الشمس حتى لا يصل إلى الأرض سوى خيوط ضوء متفرقة. ولم تكن التربة دائمًا ملائمة للزراعة، لذلك اعتمدت شعوب المايا أسلوب القطع والحرق لتهيئة الأراضي الزراعية، قبل أن تطوّر وسائل أكثر استدامة في بعض المناطق.
لم تقتصر التحديات على البيئة، بل شملت أيضًا الحياة البرية التي ضمت حيوانات مفترسة مثل اليغور (Jaguar)، إلى جانب التماسيح والثعابين والعقارب والحشرات السامة. ومع ذلك، تعلّمت شعوب المايا، جيلًا بعد جيل، أسرار الغابة. فكان الطفل يكتسب منذ صغره معرفة دقيقة بالنباتات والحيوانات، ويميز بين ما يقي من الخطر وما يصلح للغذاء أو العلاج، حتى غدت الطبيعة بالنسبة إليهم مدرسةً مفتوحة للحياة.
ولعل هذا المشهد يستحضر فيلم ( ) للمخرج ميل غيبسون، الذي صُوِّر في غابات المكسيك، واستلهم جانبًا من البيئة التي عاش فيها شعب المايا، وإن كان العمل يحمل رؤية سينمائية أكثر منه توثيقًا تاريخيًا.
مايا.. عبقرية الهندسة
ها نحن نصل إلى «إل ميرادور» إحدى أقدم مدن المايا وأضخمها، حيث ينتصب هرم «لادانتا»، أحد أكبر الأهرامات في العالم، وسط أصوات القرود العميقة والرعدية، وغناء طائر الكيتزال الناعم على إيقاع صراخ ببغات المكاو وطنين الحشرات المتكرر. هذا المشهد الطبيعي المهيب، يفرض تمجيدًا للخالق على نغمات الأوركسترا العازفة فوق مسرحٍ من مطر!
وكما في بالينكي، شُيّد المجمع الهرمي «لادانتا» من الحجر الجيري، ويضم معابد للطقوس الدينية، تتجلى من خلالها الهندسة والعمارة المتقدمة لهذه الحضارة. وهو مؤلف من الهرم الرئيسي العملاق بارتفاع 72 مترًا بالإضافة إلى عدد من المنصات والمعابد الأصغر.
لا تكمن عظمة إل ميرادور في أهرامها وحدها، بل أيضًا في بنيتها العمرانية. فقد كشفت التنقيبات عن شبكة من الطرق الحجرية المرتفعة التي ربطت المدينة بعشرات المدن المجاورة، ما يعكس نظامًا متقدمًا للنقل والتجارة والتواصل. كما عُثر على أقنعة جصية ضخمة تمثل آلهة وشخصيات أسطورية، تُعد من أروع الأعمال الفنية التي خلّفها العصر ما قبل الكلاسيكي، وأسهمت في إعادة تقييم الباحثين لمستوى التنظيم السياسي والعمراني لدى المايا.
واستكمالًا لجغرافيا تحضّر المايا، نذكر «بليز» التي ضمت عدّة مدن مع عدد سكان يزيد عن المئة ألف نسمة. كذلك في هندوراس، كوبان، التي تعتبر من أروع مدن المايا من حيث المنحوتات والكتابات الهيروغليفية «كالسلم الهيروغليفي» الذي يحوي أطول نص معروف لهم.
أمّا في السلفادور، فعلى الرغم من أنّ آثار المايا أقل عددًا، فإنها تتمتع بأهميةٍ كبيرة، ولا سيما موقع جُويا دي سيرين (Joya de Cerén)، المُدرج على قائمة التراث العالمي للأونيسكو، والذي يُعرف أحيانًا باسم «بومبيي أميركا الوسطى»، بعدما حفظ الرماد البركاني تفاصيل الحياة اليومية لسكانه.
إرث الأجداد
لم تنتهِ حضارة المايا بسقوط مدنها، فالدم الماياوي ما زال يسري لليوم في جيل الأحفاد الذي يقدّر عددهم بأكثر من ستة ملايين شخص، يعيشون في المكسيك وغواتيمالا وبليز وهندوراس والسلفادور، محافظين على جانب مهم من إرث أسلافهم.
ووفاءً للأجداد واعتزازًا بالهوية والانتماء، تشكّل اللغة الماياوية الإرث المستحق والفخر الحضاري وسط زحمة العصرنة لهؤلاء الأحفاد. فالتواصل بهذه اللغة بعد الآلاف من السنين مدعومًا بعدة عوامل، كالعزلة الجغرافية، الارتباط بالطقوس والتقاليد، واعتراف عدد من الدول وبخاصة غواتيمالا بعددٍ من لغات المايا الثلاثين كلغاتٍ وطنية تدرّس في بعض المدارس وتستخدم في وسائل الإعلام والمحاكم. إلّا أن بعضها مهدد بالاندثار بسبب سيطرة اللغتين الإسبانية والإنجليزية والانفتاح على المدن. هذا وما يزال أحفاد المايا يعملون في الزراعة والحرف اليدوية والسياحة كمرشدين سياحيين للمواقع الأثرية الخاصة بهم، بينما يشارك جزء منهم في المهن الأخرى الحديثة.
وتواصل دول المنطقة حماية المواقع الأثرية وترميمها وإدراج العديد منها ضمن قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأونيسكو. كما تدعم الأبحاث الأثرية والبرامج التعليمية التي تخبر وتعلّم عن المايا.
حضارة تحت النار
شكّل وصول الإسبان إلى أراضي المايا في القرن السادس عشر نقطة تحول مأساوية في تاريخ هذه الحضارة. فقد أُحرقت مخطوطاتهم التي تحمل معلومات عن الفلك والرياضيات والتاريخ والدين، باعتبارها كتبًا وثنية، مما يعني أنّ جزءًا كبيرًا من علومهم وتاريخهم قد فقد إلى الأبد، ولم ينجُ من هذا التراث المكتوب سوى أربع مخطوطات رئيسية معروفة حتى اليوم.
ومع ذلك، لم تمت حضارة المايا. فما بقي من مدنها ونقوشها، وما حفظه أحفادها من لغات وتقاليد، ما زال يروي قصة شعب استطاع أن يحوّل قلب الغابة الاستوائية إلى واحدة من أكثر حضارات العالم القديم إبداعًا وغموضًا.















