المعاون كرستينا عباس
في مشهدٍ تجاوز حدود المنافسة الرياضية، والتقت فيه الخطوات على هدفٍ واحد، احتضنت مدينة بيروت في 11 تشرين الأول الفائت السباق الثاني للجيش لمسافتَي 10 و5 كلم، الذي نظّمه المركز العالي للرياضة العسكرية، برعاية قائد الجيش العماد رودولف هيكل وحضوره مع عقيلته، ومشاركة نحو 3500 عدّاء من العسكريين والمدنيين.
حضر السباق كل من وزيرة الشباب والرياضة نورا بيرقداريان، ومحافظ بيروت القاضي مروان عبود، ورئيس الاتحاد اللبناني لألعاب القوى رولان سعادة، ورئيسة جمعية ماراثون بيروت مي الخليل، إلى جانب عدد من الشخصيات.
تحت شعار «سوا مكملين»، أُطلقت إشارة بدء الحدث الرياضي الذي شارك فيه عناصر من الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى، وأفراد من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، إلى جانب عدّائين من مختلف الأندية والجمعيات الرياضية ضمن الاتحاد اللبناني لألعاب القوى، وتلامذة من الجامعات والمدارس، بإشراف المركز العالي للرياضة العسكرية.
العماد هيكل: نستمدّ قوّتنا من أبناء الوطن
لم يكن الحدث مجرّد سباق تُقاس فيه المسافات بالخطوات والثواني، بل شكّل مساحة جامعة التقى فيها العسكريون والمدنيون، في صورة عكست وحدة الهدف وروح الشراكة.
وقد أكّد قائد الجيش العماد رودولف هيكل، في كلمته خلال السباق، عمق العلاقة التاريخية والمتجذّرة بين الجيش والمواطنين، مشدّدًا على أنّ هذه العلاقة لم تضعف يومًا، وأنّ المؤسسة العسكرية تستمدّ قوّتها من أبناء الوطن. وفي المقابل، فإنّ الجيش موجود قرب كل منزل في مختلف المناطق وعند الحدود لحماية المواطنين والسهر على أمنهم.
وتطرّق إلى المهمات التي يواصل الجيش تنفيذها في مختلف المراحل على الحدود وفي الداخل لمكافحة الإرهاب والإتجار بالأسلحة والمخدرات ومنع التهريب، داعيًا المواطنين إلى مساعدة المؤسسة العسكرية والانتباه، لأنهم مصدر الأمان للجيش، وإبلاغ الأجهزة الأمنية عن أي أمر مشبوه، مؤكدًا أنّ تعاونهم يشكّل عنصرًا أساسيًا في تعزيز الأمن والاستقرار، وأنّ الجيش يعمل بدرجةٍ عالية من اليقظة والوعي الأمني للوصول بلبنان إلى برّ الأمان.
نكمل العمل معًا
من جهته، رأى قائد المركز العالي للرياضة العسكرية العميد الركن مخائيل موسى أنّ هذا السباق جمع لبنان بمختلف أطيافه ومكوّناته وبكل مناطقه، معتبرًا أنّ شعار «سوا مكمّلين» يشكّل تجسيدًا للتلاحم بين الجيش والمواطنين، وهو يرفد الجيش بالقوة ويدعمه في تنفيذ مهماته.
وقال: «نكمل الركض معًا حتى نهاية الخط، ليس خط السباق وإنما خط العمل معًا». وإذ أكّد أنّ الشراكة بين الجيش والمجتمع دائمة ومتجذّرة، أشار إلى أنّه بعد النجاح الذي حقّقه السباق الأول الذي نظّمه الجيش العام الماضي واستقطب مشاركة واسعة، جاء السباق الثاني ليترجم عمق العلاقة مع المجتمع وجيل الشباب بصورةٍ ملموسة. ووصف المشهد الذي جمع العسكريين والمدنيين بأنّه يصعب اختزاله بالكلمات، إذ بدا الجميع وكأنهم يتنفّسون معًا ويركضون بخطواتٍ متناسقة نحو خط النهاية. واعتبر أنّ هذا التلاحم، الذي تجلّى في تقارب المشاركين وتشابك أيديهم، يشكّل ضمانة للعسكريين وللبنان.
تحضيرات لا تتوقف
لم تبدأ قصة السباق مع انطلاق العدّائين إلى المسار، بل سبقتها أشهر من التحضير والتقييم والعمل. فمنذ انتهاء السباق الأوّل، شكّل المركز العالي للرياضة العسكرية مجموعات عمل تولّت مراجعة التجربة السابقة، وتحديد الثغرات التي ظهرت خلالها، ووضع تصوّرٍ لتطوير السباق الثاني وتحسين تنظيمه. وقد كانت كل مجموعة مسؤولة عن شقٍّ تنظيمي معيّن، ما سهّل العمل وجعله أكثر فعالية. ونجاح الحدث الذي تميّز بمستوى عالٍ من التنظيم كان ثمرة جهود جماعية بذلها ضباط المركز ورتباؤه وأفراده.
الساعات الثلاث التي استغرقها السباق لم تكن سوى الجزء الظاهر من عمل امتدّ على مدى عام كامل، وواجهته عدة تحديات. في هذا السياق، لفت العميد الركن موسى إلى أنّ محبة المواطنين للمؤسسة العسكرية سهّلت تنظيم السباق وتأمين الرعاية له، كما أنّ الثمار التي أتت نتيجة السباق الأول للجيش، جعلت الداعمين يتهافتون لرعاية السباق الثاني. كما أشار إلى أنّ السباقَين اللذين نظّمهما المركز حتى اليوم أسهما في وضعه على مسارٍ أكثر احترافية.
وقد شكر قائد المركز العالي للرياضة العسكرية جميع المساهمين، والقوى الأمنية والصليب الأحمر اللبناني وفوج الإطفاء وجمعية ماراثون بيروت والاتحاد اللبناني لألعاب القوى.
”المؤسسة التي نعتزّ بها جميعًا“
أشاد المشاركون بالتنظيم والانضباط والروح التي ميّزت السباق. فالعدّاء، الدكتور ربيع صقر (صيدلي)، الذي يمارس الركض منذ العام 2019 وسبق أن شارك في العديد من السباقات، رأى أنّ سباق الجيش يتميّز باستقطابه أعدادًا كبيرة من العدّائين، مقارنة بسباقات أخرى. كما أثنى على المستوى التنظيمي الذي لمسه قبل السباق وخلاله وبعده، مشيرًا إلى الاهتمام بالتفاصيل، من جودة المستلزمات التي تم تأمينها للمشاركين، إلى توزيع المياه وتطبيق القوانين وتنظيم الجوائز وضمان حصول الفائزين والمشاركين على حقوقهم، فضلًا عن كون المشاركة مجانية خلافًا لما هو الأمر عليه في السباقات الأخرى. بدوره، اعتبر ربيع الطحّان، الذي يشكّل الركض جزءًا من حياته اليومية، أنّ المشاركة في السباق الثاني للجيش أتاحَت له فرصة مميّزة للمشاركة في حدث تنظّمه «المؤسسة التي نعتزّ بها جميعًا». وأشار إلى أنّ لكل سباق خصوصيته من حيث التنظيم والتنفيذ والانضباط، لكن ما ميّز هذا الحدث هو الجمع بين الروح الرياضية والطابع الوطني، إلى جانب التحدّي بين المشاركين، ما أضفى على التجربة معنى مختلفًا.
ولم تقتصر أجواء الحدث على المنافسة الرياضية، بل تخلّلتها عروض ترفيهية قدّمتها فرق مختلفة، في مبادرة أضفت مزيدًا من الحيوية على المسار.
في ختام السباق، وزّع قائد الجيش الجوائز على الفائزين في الفئة العامة وهنّأ المشاركين، فيما جرى تتويج الفئات العمرية خلال حفل خاص أُقيم لاحقًا في المركز العالي للرياضة العسكرية. وشملت الجوائز مبالغ مالية رمزية، إلى جانب الميداليات والكؤوس.
وهكذا، لم يكن السباق الثاني للجيش مجرّد مناسبة رياضية تُختتم عند خط النهاية، بل تجربة أكدت أنّ العمل الجماعي والتخطيط والتعاون، عوامل تستطيع تحويل حدث رياضي إلى مساحة جامعة، تلتقي فيها المؤسسة العسكرية والمجتمع على رسالة واحدة: «سوا مكملين».
أبرز الفائزين في الفئات العامة
عن فئة الرجال: الأول، الجندي علي الرضا كنعان (الجيش اللبناني) الثاني، الرقيب الأول زاهر زين الدين (الجيش اللبناني) والثالث، الرقيب الأول عمر أبو حمد (الجيش اللبناني).
عن فئة السيدات: الأولى، سيرينا حايك (نادي إنتر ليبانون) الثانية، ميساء شيرازي (نادي الإيليت) والثالثة، عليا حيدر.
وقائع وأرقام
– المسافات: 10 كلم (سباق مع توقيت رسمي) و5 كلم (سباق للمرح، أطفال وعائلات ولا توقيت). ويمكن أن تصبح مستقبلًا ٢١٫١ كلم، أي نصف ماراثون.
– عدد المشاركين: نحو 3500 عدّاء من عسكريين، مدنيين، اليونيفيل، وطلاب مدارس وجامعات.








