أكرم الريس – باحث وكاتب
أُقيم المعرض في غاليري الجزائري للفنون (في الجامعة اللبنانية الأميركية) تحت عنوان «ماري الخازن (1899-1983): رائدة في التصوير الفوتوغرافي في لبنان». وللمعرض الذي استقبل الزوار والمهتمين بين 18 حزيران و28 تموز الماضيين، محطات أخرى في إهدن وعدّة مناطق لبنانية.
تولّى التنظيم معهد الفنون في العالم العربي بالتعاون مع المعهد العربي للمرأة في العالم العربي في الجامعة اللبنانية الأميركية والمؤسسة العربية للصورة، وذلك بدعم من إيزابيل وفيليب حلو وآخرين. وقامت بالتنسيق الدكتورة ياسمين نشابة طعان، الأستاذة المشاركة ومديرة معهد الفنون في العالم العربي، إلى جانب الكاتبة والصحافية جورجيا مخلوف.
هذا المعرض هو الثاني المتخصص لأعمال ماري الخازن بعد المعرض الذي نظمه دار المصور بمشاركة اتحاد المصورين العرب في بيت بيروت وفي طرابلس ضمن إطار «مهرجان بيروت للصورة»، كما يأتي بعد عدة معارض جماعية في لبنان وأوروبا نظمتها المؤسسة العربية للصورة منذ العام 1998. وهو بالتالي أحدث محطة في حياة أخرى لصور الخازن التي تواصل رحلتها نحو جمهور أوسع، والهدف أن تستعيد حضورها في الأمكنة التي تنتمي إليها ذاكرتها.
يتألف المعرض من خمسة أقسام يعزز محتوياتها كتالوج تضمّن صورًا مختارة من المعرض ونصوصًا بالعربية والإنكليزية والفرنسية للجهتين القيّمتين عليه، والكاتب وجامع الصور ومؤرخ التصوير الفوتوغرافي محسن يمّين، والمصور وأحد مؤسسي المؤسسة العربية للصورة فؤاد خوري، ورئيسة تحرير مجلة «الرائدة» والمديرة التنفيذية للمعهد العربي للمرأة في الجامعة اللبنانية الأميركية مريم صفير.
يحتوي القسم الأول على حوالى ستين صورة للخازن تُعرض مجموعة منها في لبنان للمرة الأولى. أما القسم الثاني فهو عبارة عن فيديو يظهر فيه كل من ياسمين نشابة طعان، وجورجيا مخلوف، ومحسن يمّين، وهم يشرحون علاقتهم مع أعمال الخازن ونظرتهم إليها. وفي القسمين الثالث والرابع من المعرض مواد مختارة من كتب ومجلات وصور توثّق سياق الحركة النسائية ونهضتها في المنطقة، وأعمال لمي زيادة ونظيرة زين الدين وأخريات، وهي من أرشيف معهد العالم العربي للمرأة، إلى جانب مواد متفرقة من الأرشيف الشخصي لمحسن يمّين. واختارت القيمتان الفنيتان أن تخصصا حيزًا أخيرًا لعرض كاميرا (Eastman Kodak Brownie) وهي من طراز مشابه للذي استخدمته ماري الخازن خلال عملها. ويركز الطرح القيمي للمعرض، كما ورد في الكتالوج المرفق به، على تقديم صور ماري الخازن كأفعالٍ واعية لبناء الواقع بدلًا من أن تكون مجرد توثيق له، و«الكيفية التي تجمع بها صورها عوالم اجتماعية متعددة ضمن إطار واحد.»
ندوة افتتاحية: أربع محطات في استعادة ماري
قبل أن تفتح أبواب المعرض أمام الجمهور، بدت قصة ماري الخازن نفسها وكأنّها تستعيد فصولًا من حياتها في ندوة حوارية جمعت محسن يمّين، وفؤاد خوري، وجورجيا مخلوف، وياسمين نشابة طعان التي تولّت إدارة اللقاء. بدت الندوة كأنّها تختصر حكاية الحيوات الأخرى لصورة ماري الخازن: نيغاتيف بدأ خلف عدسة امرأة في بيتها وبيئتها، ثم حفظه رجل شغوف بالتاريخ، واحتضنه أرشيف متخصص، وقرأته باحثة، وأعاد الأدب تخيّله، بينما ما يزال البيت الذي شهد جانبًا من حياتها ينتظر بدوره أن تستعيده الذاكرة.
كانت ياسمين نشابة طعان من أوائل من أعاد قراءة هذا الأرشيف على نحوٍ منهجي بحثي. بدأت الحكاية عندما اكتشفت صور ماري في أرشيف المؤسسة العربية للصورة، فتحول الفضول الأول إلى بحث ميداني، ثم إلى أطروحة دكتوراه تناولت من خلالها الجندر والهوية والحداثة في صور الخازن، قبل أن تتبلور هذه الرحلة المعرفية في كتابها الصادر بالإنكليزية في العام 2020، «قراءة صور ماري الخازن: الجندر، والتصوير الفوتوغرافي، ولبنان في عهد الانتداب»، وصولًا إلى المعرض الحالي. وهكذا لم تعد صور ماري مجرد مجموعة من النيغاتيفات القديمة، بل أصبحت مادة لإعادة النظر في المرأة والمجتمع والحداثة في لبنان.
أما محسن يمّين، فكان شاهدًا على واحدة من أهم حلقات هذه الرحلة. فقد التقى ماري في سبعينيات القرن العشرين في باحة قصرها عندما كان يصوّر نجليه الصغيرين، ومن هذا اللقاء العابر بدأ دخوله إلى عالمها المصوَّر بعدستها. لمست ماري شغفه بجمع الصور القديمة والبحث في تاريخ التصوير الفوتوغرافي، فأتاحت له مجموعة من أعمالها، لتبدأ بذلك رحلة إنقاذ أرشيف كان يمكن أن يختفي مع مرور الزمن. ومن جهته، وضع فؤاد خوري تجربة ماري في سياق واسع، يتجاوز خصوصية عائلتها ومحيطها ليربطها بتاريخ الصورة في لبنان والمنطقة وبجهود حفظ الذاكرة البصرية. وتكتسب في نظره تجربة الخازن أهمية مضاعفة من ندرة المصوِّرات في تلك الحقبة، ومن خصوصية الطريقة التي استخدمت بها الكاميرا لتوثيق عالمها ورؤيتها له.
لكنّ صور ماري لم تتوقف عند حدود الأرشيف أو البحث الأكاديمي. ففي العام 2019، التقت الكاتبة والصحافية جورجيا مخلوف بعالم الخازن للمرة الأولى في أحد المعارض. وانطلقت حينها رحلة ماري من الأرشيف إلى فضاء الأدب عندما استوحت مخلوف بحُرّية من سيرتها ومن صورها ومنزل عائلتها في زغرتا روايتها الفرنسية «بلد مر» الصادرة في العام 2025، والتي نالت أكثر من جائزة وتقدير. تتطرّق الرواية إلى أسئلة أوسع عن حرية المرأة، والذاكرة، والتقاليد، وتاريخ لبنان، وقدرة الصورة على عبور الزمن، وذلك من خلال شخصيتي امرأتين مصورتين تفصل بينهما قرابة قرن.
وربما كان لافتًا أن تعود مخلوف، في ختام حديثها، إلى المكان الذي بدأت فيه قصة ماري: منزل عائلتها في تلة الخازن في زغرتا. فالمنزل الذي شيّده جد ماري، الشيخ فندي الخازن، بعد زواجه من فتاة من مشايخ آل الضاهر، واستكمل بناءه والدها الشيخ سعيد وعمها الشيخ بربر، ثم سكنته ماري وشقيقها خازن، يقف اليوم في حالة من الإهمال والخراب، بعدما أقامت فيه عائلات نازحة خلال الحرب الأهلية. وأعربت مخلوف عن رغبتها في أن يكون هذا المنزل، بما يحمله من ذاكرة عائلية وشخصية، جزءًا من الاهتمام المقبل بسيرة ماري وإرثها.
امرأة من آل الخازن:
العائلة، والنفوذ، وشمال لبنان
لا يمكن فهم إرث ماري الخازن بمعزلٍ عن تاريخ عائلة الخازن، إحدى أبرز العائلات المارونية الإقطاعية ومن أكثرها نفوذًا في لبنان. تنحدر العائلة من مشايخ الخازن الذين مارسوا سلطة سياسية في كسروان منذ القرن السادس عشر، قبل أن يستقر فرع عائلة ماري لاحقًا في زغرتا، حيث احتل موقعًا اجتماعيًا وسياسيًا بارزًا. نشأة ماري في هذه البيئة الأرستقراطية أتاحت لها امتيازات لم تكن متوافرة لمعظم نساء جيلها. فقد مكّنتها ثروة العائلة من السفر، والوصول إلى معدات التصوير، ووفّرت لها وقت الفراغ، ومجال التفاعل مع دائرة اجتماعية ذات طابع كوزموبوليتي تتجاوز حدود شمال لبنان. وتوثّق صورها هذه البيئة الميسورة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن النظام الاجتماعي الهرمي الذي كان يُنظّمها. فأفراد العائلة، والضيوف، والفلاحون، والخدم، والمزارعون، والشركاء في استغلال الأراضي يظهرون جميعًا في صورها، مقدّمين سجلًا بصريًا نادرًا للعلاقات بين النخب الإقطاعية والمجتمع الريفي، كما يظهر مجتمع كان في مرحلة الانتقال من البنى المحلية التي ورثها عن العهد العثماني نحو لبنان المعاصر.
احتلت ماري نفسها موقعًا استثنائيًا داخل عائلتها. فقد تذكرها أقاربها باستمرار، كما تشير ياسمين نشابة طعان في كتابها، بوصفها امرأة غير تقليدية رفضت الزواج عن سابق تصور وتصميم، ومارست قدرًا كبيرًا من الاستقلالية داخل المنزل. وقد كرّست نفسها لمجموعة واسعة من الاهتمامات التي عكست فضولها وحبها للحياة في الهواء الطلق، ومنها قيادة السيارات، وركوب الخيل، وصيد الأسماك، والعناية بالحيوانات، والتطريز، والأدب، وزيارة المواقع الأثرية والسياحية والترفيهية المختلفة، وفوق كل ذلك التصوير الفوتوغرافي. واضطلعت بأدوارٍ إدارية مهمة خلال الفترات التي كان فيها أفراد العائلة الذكور غائبين بسبب مسؤولياتهم السياسية أو الاجتماعية، شأنها شأن نساء أخريات في عائلة الخازن. ويعكس ذلك جانبًا من السلطة التي كانت تمارسها نساء النخبة في المجتمع الريفي اللبناني، وهي سلطة غالبًا ما جرى تجاهلها أو التقليل من شأنها.
علاقة العائلة بماري وبشغفها بالتصوير لم تكن خالية من التناقض، فالمكانة الاجتماعية والاقتصادية وفّرت لها عدّة امتيازات وإمكانات، لكنّ العائلة لم تبدُ متحمسة لتحويل التصوير من نشاط الخاص إلى عمل أو إرث عام. لذلك بقي عمل ماري إلى حد كبير داخل حدود الحياة العائلية والخاصة، بعيدًا عن العرض والنشر والاحتراف. وبعد وفاتها، اتخذ هذا التحفُّظ شكلًا أكثر إيلامًا، إذ تشير روايات إعادة اكتشاف أرشيفها إلى أنّ بعض ما تبقى من نيغاتيفاتها أُهمل ولم يُحفظ بعناية، قبل أن تنجو أجزاء منه وتصل لاحقًا إلى أيدي من أدركوا قيمته.
الكاميرا بيد ماري: ممارستها وأسلوبها ونتاجها
اكتشفت ماري التصوير الفوتوغرافي في العقود الأولى من القرن العشرين. ويذكر الكاتب محسن يمّين أنّ عدوى التصوير انتقلت إليها عبر صداقتها مع الشاعر اللبناني باللغة الفرنسية هيكتور خلاط. وكان التصوير الفوتوغرافي قد ترسّخ في مدن المشرق منذ القرن التاسع عشر، وارتبط في بداياته بالأستوديوهات التجارية والمصورين المحترفين الذكور، وبصورةٍ خاصة بتوثيق المدن والمعالم والأشخاص والنخب الاجتماعية. ومع دخول التصوير إلى الحياة اليومية وانتشار الكاميرات المحمولة في العقود الأولى من القرن العشرين، بدأت تظهر ممارسات أكثر شخصية وعفوية، ولا سيما لدى بعض النساء. وفي هذا السياق تكتسب تجربة ماري الخازن طابعها الرائد، إذ انتقلت بالتصوير من إطار الاستوديو والتوثيق التقليدي والدور المناط بالذكور إلى فضاء شخصي وتجريبي، مستخدمة الكاميرا لتوثيق حياتها ومحيطها، وفي الوقت نفسه لبناء رؤيتها للمرأة وأنماط المعيشة المتغيرة. كانت ماري تصوّر ما تراه، لكنها من حيث لا تدري كانت تحفظ أيضًا صورة متحركة للمرأة والسلطة ولطبقات المجتمع.
لم تتعامل ماري مع التصوير بوصفه مجرد هواية عابرة، بل طوّرت خبرة تقنية ملحوظة. فقد أنشأت غرفة تحميض خاصة بها وأدارتها، وأتقنت عمليات معالجة الصور. وعلى الرغم من أنّها لم تمارس التصوير كمهنةٍ، وهو قرار تأثر بخلفيتها الأرستقراطية وبالأعراف الاجتماعية السائدة في ذلك الوقت، فإنها تعاملت مع هذا الفن بجديةٍ فنية لافتة. وبدلًا من تصوير زبائن، كانت توثّق العالم المحيط مباشرة بها في ربوع لبنان الكبير. ففي أوساط الطبقات العليا في لبنان، كان التصوير يُنظر إليه باعتباره هواية أرستقراطية مقبولة، في حين كان العمل فيه بصورة تجارية يُعدّ غير ملائم اجتماعيًا لأفراد العائلات النخبوية.
أظهرت ماري على المستوى التقني أيضًا ابتكارًا ملحوظًا في إطارها الزمني التاريخي. فقد كانت تُخرج المشاهد وتنسّقها، وتتلاعب بالإضاءة والظلال، وتُجرّب التعريض المزدوج وتركيب النيغاتيفات فوق بعضها. وأدت هذه التجارب البصرية أحيانًا إلى إنتاج تأثيرات انطباعية أو سريالية تميّز أعمالها عن التصوير التوثيقي المباشر.
نيغاتيفات النجاة
على الرغم من أنّ ماري أنتجت مئات الصور، فإنّها لم تعرض أعمالها علنًا، وبقيت معروفة في نطاق دائرتها القريبة، قبل أن تتوفى في العام 1983 من دون أن تنال إلّا قدرًا ضئيلًا من الاعتراف بإنجازها الفني. وقد حافظت بعناية على النيغاتيفات الجيلاتينية لصورها، حتى وإن لم تعرضها أو تنشرها، خلافًا لكثير من المصورين الهواة من جيلها الذين كانوا يتخلّصون من النيغاتيفات بعد إعداد النسخ المطبوعة. ولعل بقاء أرشيفها بصورة شبه كاملة في شكل نيغاتيفات وليس مطبوعات، هو ما أتاح لهذا الإرث أن ينجو على نحو استثنائي، خلافًا لكثير من المجموعات الفوتوغرافية التي لم يصلنا منها سوى الصور المطبوعة. وبذلك، فإنّ أرشيف ماري لا يحفظ صورًا كادت أن تضيع فحسب، بل يحفظ أيضًا حياة فنية لم تُتح لها فرصة الظهور في زمن صاحبتها، وظلت كامنة في النيغاتيفات، تنتظر بعد وفاتها عقودًا كي ترى النور.
بدأت صورها حياتها الأخرى عندما سلّمت ماري صندوقًا يحتوي على أكثر من مئة نيغاتيف جيلاتيني بحجم 8.5 × 6 سم من أعمالها إلى محسن يمّين. وقد كان لهذا القرار دور حاسم في الحفاظ على إرثها، إذ إنّ جزءًا كبيرًا من معداتها وأرشيفها المتبقي اختفى لاحقًا أو تعرّض للتلف. كما عثر يمين لاحقًا على نيغاتيفات إضافية في قن دجاج يقع في خلفية منزل عائلة الخازن المهجور، مما يؤكد هشاشة الظروف التي نجا فيها هذا الإرث. وما لبث يمين أن سلّم الأرشيف إلى المؤسسة العربية للصورة في العام 1997، بعد أن كان الدكتور جوزيف ليّان من الجامعة اللبنانية صلة الوصل مع فؤاد خوري، حيث بدأت أعمال ماري بالحصول على الانتشار والعناية اللذَين تستحقهما.
قامت المؤسسة العربية للصورة بحفظ النيغاتيفات ورقمنتها، وطبعها، وعرضها أمام الجمهور بعد نحو سبعين عامًا من التقاطها في متاحف وصالات مخصصة لتاريخ المرأة والتصوير الفوتوغرافي والثقافة البصرية في الشرق الأوسط. وبرزت ماري الخازن نتيجة لتلك الجهود وبعد أكثر من أربعة عقود على وفاتها بوصفها شخصية تأسيسية في تاريخ التصوير الفوتوغرافي في لبنان والمنطقة. ولا تحظى أعمالها بالتقدير لقيمتها التوثيقية أو التجريبية فحسب، بل أيضًا لما تتمتع به من رؤية لافتة للحداثة والهوية والسلطة، ولكونها مرجعًا أساسيًا في الدراسات والأبحاث الأكاديمية.
نساء أمام الكاميرا
يجمع نتاج ماري الخازن الفوتوغرافي بين المنحى التوثيقي والتجريب الفني، منتجًا صورًا تُشكّل في الوقت نفسه سجلات تاريخية وتكوينات بصرية إبداعية. وتتميز بشكلٍ خاص صورها التي تُمثّل النساء داخل شرائح اجتماعية محددة. تظهر النساء في صورهنّ واثقات، متحركات، منخرطات في الحياة الاجتماعية، يقدن السيارات، ويركبن الخيل، ويمارسن الصيد، ويسافرن، ويشغلن الفضاء العام إلى جانب الرجال بكفاءةٍ. كما تُوثّق لقاءات تتجاوز الحدود الاجتماعية، فتجمع بين ملّاكي الأراضي والفلاحين، والأوروبيين واللبنانيين، والرجال والنساء ضمن فضاءات بصرية مشتركة.
وفي بعض الصور كما يظهر في بوستر المعرض، عكست ماري عمدًا الأعراف المرتبطة بالنوع الاجتماعي. ومن أشهر الأمثلة صورة امرأتين مُتنكّرتين بزيّ رجلين، حيث تظهر ماري وشقيقتها أليس مرتديتين بدلات رجالية وطرابيش، وهما تدخنان بثقةٍ تحت صورة لأحد أسلاف العائلة. لكن أهمية هذه الصور لا تكمن فقط في أنها تُظهر نساءً يعشن أنماطًا جديدة من الحرية، بل في أنها تكشف كيف كانت الحداثة تُعاش في تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتحول إلى خطاب أو شعار.
تتميز صور ماري بدرجةٍ لافتة من العفوية. فعلى خلاف التراتبية الجامدة التي كانت تُميّز صور الاستوديو المعاصرة لها، غالبًا ما يظهر الأشخاص في صورها في أوضاع مريحة ومرحة وعفوية. ويتفاعل الرجال والنساء بصورة طبيعية، بما يوحي بعالم اجتماعي يبتعد عن القواعد الرسمية الموروثة عن الممارسة الفوتوغرافية العثمانية. وكانت الخازن تعمل من خلال التكوينات البصرية المدروسة بعنايةٍ في كثير من الأحيان على تقديم النساء بوصفهن مشاركات فاعلات، لا مجرد متفرجات سلبيات. وبذلك تتحدى هذه الصور التصورات التقليدية للأنوثة، ويُنظر إليها اليوم باعتبارها تعبيرات رائدة عن بناء المرأة لذاتها بصريًا وفي تجليات الحداثة البصرية في لبنان والمشرق.
نهضة من دون منبر: في إطار رائدات النهضة اللبنانيات والمشرقيات
لم تكن النهضة النسائية في المشرق ومصر صوتًا واحدًا، ولا سلكت طريقًا واحدًا. جاءت بالكلمة مع مي زيادة وماري عجمي وزينب فواز، وبالتعليم مع نبوية موسى وعفيفة صعب، وبالنضال العام مع هدى شعراوي، وبالصورة مع كريمة عبّود وماري الخازن، وبالسينما والأزياء مع رائدات مثل بهيجة حافظ وعزيزة أمير ومدام صالحة. اختلفت مجالاتهن وأدواتهن، لكنّهن اشتركن في توسيع المساحة التي استطاعت المرأة العربية أن تشغلها في مجتمعها، وفي الطريقة التي رآها بها ذلك المجتمع.
من هذا المنظور، تحتل ماري الخازن مكانة خاصة بين نساء جيلها. فهي لم تكتب المقالات، ولم تؤسس المدارس، ولم تنخرط علنًا في الحركة النسوية كما فعلت كثيرات من مُعاصراتها. كانت تحمل الكاميرا بدلًا من القلم، وتصنع بالصور ما صنعته أخريات بالكلمات والمواقف. ولعل السؤال الذي تطرحه سيرتها ليس ما إذا كانت رائدة لأنّها تحدّت عصرها، أم لأنّ موقعها الاجتماعي أتاح لها ما لم يكن متاحًا لنساء كثيرات، بل كيف اجتمع الأمران معًا: امتياز أتاح لها حرية الحركة والاختيار، وفضول شخصي حوّل هذه الحرية إلى ممارسة إبداعية تركت أثرًا يتجاوز حدود حياتها الخاصة.
وعلى خلاف كثير من رائدات النهضة اللواتي وصل إرثهن إلينا عبر الكتب والمقالات والخطب، وصل إرث ماري عبر الضوء والظل، عبر وجوه وأجساد وأمكنة التقطتها الكاميرا. ومن هنا تكتسب تجربتها خصوصيتها، فهي لم تكتب عن الحداثة، بل صوّرتها وهي تحدث. ولم تنظر إلى مجتمعها من الخارج، ولم تكرر أنماط الصور التي صنعها المصورون الأجانب عن الشرق، بل التقطت عالمها من الداخل، بعين امرأة تنتمي إليه وتتحرك في فضائه. وهكذا أصبحت الكاميرا، التي دخلت المشرق بوصفها تقنية وافدة، أداة محلية لرؤية الذات وتوثيقها وصياغة صورة جديدة عنها.
حبات من عنقود الذاكرة المنسية
تزداد أهمية تجربة ماري الخازن حين نضعها في سياق ندرة المصوّرات في تلك الحقبة. وفي هذا السياق تبرز المصوّرة الفلسطينية كريمة عبّود (1893–1955، مع وجود خلاف حول تاريخ وفاتها) بوصفها نظيرًا تاريخيًا قريبًا لها في العالم العربي. انتمت كلتاهما إلى بيئتين متعلّمتين، واستخدمتا الكاميرا في زمن كانت المجتمعات التي عاشتا فيها تمر بتحولاتٍ متسارعة، وإن اختلفت خلفياتهما الاجتماعية ودوافعهما ومساراتهما بين الهواية والاحتراف والمهنة. وما يجمعهما قبل أي تشابه آخر، أنّ كلًا منهما جعلت الكاميرا في نهاية المطاف وسيلة لحفظ عالم كان يتغير أمام عينيها.
ومن هنا يمكن أن نستعيد أيضًا صور العديد من الرائدات ومنهن مدام صالحة (1926–1968). فاختلاف مجالات ماري الخازن ومدام صالحة لا يخفي ما يجمعهن: نساء دخلن كلٌّ بأداتها الخاصة إلى مجالها العملي، وتركن وراءهن آثارًا لم يُدرك عصرهن تمامًا قيمتها. كنّ حبات من عنقود من النساء اللواتي صنعن البدايات، وأسهمن بصمتٍ في تشكيل ملامح لبنان وذاكرته، قبل أن تغيب أسماؤهن طويلًا عن الذاكرة الوطنية. وكما كانت مدام صالحة، في توصيف الصحافية ندى مفرّج سعيد، حلقةً مفقودة في تاريخ الموضة اللبنانية، تبدو ماري الخازن حلقةً مفقودة في تاريخ الصورة اللبنانية. إحداهما خاطت ذاكرة لبنان بالإبرة والخيط، والأخرى حفظتها بعدسة الكاميرا.
أسئلة الغياب
ماتت ماري، لكن صورها بقيت. بقيت في نيغاتيفات صمدت أمام الإهمال، وفي أرشيفات أعادت اكتشافها، وفي معارض، وكتب، ودراسات، وروايات منحتها حياة لم تكن تعرف أنها ستأتي. وهنا تبدو المفارقة التي تحيط بسيرة ماري أكثر وضوحًا، فالعائلة نفسها كانت في آن واحد مصدر امتيازها ومصدر حدودها. وما نراه اليوم من صور ماري هو إلى حد بعيد ما نجا من ذلك التوتر الصامت بين الرغبة في إبقاء حياتها داخل حدود العائلة، وبين الزمن الذي كان يخبّئ لهذه الصور حياةً أخرى لم يكن أحد يتوقعها. وإذا كانت العائلة قد أرادت أن تبقى صورها في حدود الحياة الخاصة، فقد فعل الزمن عكس ذلك تمامًا. أخرجها من البيوت والصناديق والنيغاتيفات المنسية وأعادها إلى المجال العام. ولعل أجمل مفارقات قصة ماري ضمن هذا التجاذب أنّها لم تكن بالضرورة تعرف أنها توثّق زمنًا سيصبح بعد عقود مادة للتاريخ وذاكرة للمستقبل. كانت ببساطة تصوّر حياتها وبيئتها الاجتماعية والطبيعية.
أبعد من سيرتها وصورها، تترك لنا ماري الخازن أسئلة تتجاوز زمنها. ما الصور التي ضاعت، وما الحكايات التي تلاشت معها؟ وما الذي عجزت الصور التي نجت عن حفظه من حياة ماري ومن العالم الذي عاشته؟ تعود إلينا اليوم من أرشيفها مفارقات الخسارة والنجاة، والخاص والعام، لتكتسب معنى أكثر إلحاحًا في زمن الصورة الرقمية. هو زمن تستطيع فيه الخوارزميات أن تولّد وجوهًا لم توجد، وأن تعيد بناء أصوات وأمكنة اندثرت، وأن تمزج الواقع بالخيال وسط فيض هائل من الصور يكاد يغمر العالم. عندها تصبح الصورة نفسها موضع سؤال: ماذا تحفظ لنا، وماذا تصنع في ذاكرتنا؟ وهل سيكون ما نتركه وراءنا شاهدًا على ما عشناه فعلًا، أم ظلالًا لواقع أعادت تشكيله خوارزميات الغياب؟ ربما لهذا السبب تبدو صور ماري الخازن أكثر راهنية اليوم مما كانت عليه سابقًا. فهي تذكّرنا بأنّ الصورة لا تصبح ذاكرة لمجرد أنّها التُقطت، بل لأنّها أيضًا تنجو من الخراب، وتجد من يحفظها، ويراها، ويبني معانيها.













