باسكال معوّض بو مارون

في وطنٍ تتقاطع فيه الأزمات الاقتصادية مع الضغوط الاجتماعية والمعيشية، تغدو خيارات الشباب تجاه مستقبلهم مسألة تتجاوز عند البعض حدود المصلحة الفردية، لتلامس جوهر الانتماء الحقيقي. فبين الهجرة والبقاء، وبين البحث عن الاستقرار خارج الحدود أو التشبّث بالأرض، يظهر خيارٌ آثَرَهُ بعض الشباب اللبنانيين: الانخراط في المؤسّسة العسكرية، في مسارٍ مليء بالتحدّيات الجسدية والنفسية، وبالتحوّلات العميقة التي تعيد تشكيل الإنسان من الداخل قبل الخارج. فهذه المؤسّسة لا تزال تستقطب شبابًا يرون فيها أكثر من وظيفة، ويجدون فيها رسالة، وواجبًا، وملاذًا أخيرًا لوطنٍ لم يعد يحتمل مزيدًا من الأزمات.
متدرّبون من الكلية الحربية، ومعهد الرتباء، ومعهد تدريب الأفراد يحملون في دمائهم حب الوطن يروون دوافع التحاقهم بالمؤسسة العسكرية، رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة والغموض الذي يلفّ المستقبل.
شهاداتهم لا تتحدث عن الجيش كفكرةٍ مجرّدة، بل عن تجربةٍ يومية تُعاش بكل تفاصيلها، حيث يتقاطع الحلم بالواجب، ويصطدم الطموح بصعوبة الواقع، لكن النتيجة تبقى واحدة: إصرارٌ على الاستمرار.

إعادة بناء الذهنية
في الكلية الحربية، تتداخل القصة الشخصية مع القصة الوطنية، ويصبح القرار بالانضمام إليها امتدادًا لتاريخٍ عائلي أحيانًا، أو تحقيقًا لحلمٍ قديم ظلّ ينمو منذ الطفولة.
أحد التلامذة الضباط يروي كيف نشأ على فكرة الكلية الحربية من خلال والده الذي لم يُكتب له الالتحاق بها، فحوّل الإبن هذا الحلم غير المكتمل إلى مشروعٍ شخصي. لم يكن الطريق أكاديميًا فقط، رغم التفوّق الدراسي الذي فتح أمامه أبوابًا جامعية متعددة، بل كان خيارًا واعيًا بالاتجاه نحو مؤسسة يرى فيها مستقبل القيادة والمسؤولية.
تلميذٌ آخر يتحدّث عن تأثير البيئة العسكرية في عائلته، حيث كان الانتماء إلى الجيش جزءًا من الحياة اليومية، ما جعله يعتبر البزّة العسكرية امتدادًا طبيعيًا لهويته. بالنسبة إليه، لم يكن القرار مرتبطًا بالظروف الإقتصادية، بل بقناعةٍ راسخة تشكّلت منذ الصغر، حين كان يراقب عن قرب معنى الخدمة العسكرية وما تمثله من التزام وانضباط.
في المقابل، تظهر تجربة مختلفة لتلميذٍ ثالث واجه انتقالًا قاسيًا من الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية. يصف هذا التحوّل بأنّه الأصعب، ليس بسبب التدريب فقط، بل بسبب الحاجة إلى إعادة بناء الذهنية بالكامل. فالانضباط هنا ليس خيارًا، بل قاعدة أساسية، والوقت ليس مرنًا، بل محدّدًا بدقة، والتعليمات ليست قابلة للتأويل. ومع ذلك، يؤكد أنّ هذه الصرامة لم تكسره، بل ساعدته في إعادة اكتشاف قدراته.
ما يجمع هؤلاء التلامذة هو إدراكهم أنّ سنوات الكلية الحربية ليست مجرد مرحلة تعليم، بل عملية صقل شخصية. أحدهم يشير إلى أنّ التحدّيات لم تكن عسكرية فقط، بل رافقتها ظروف عامة قاسية في البلاد، بما فيها النزوح والقلق من الحرب، ما جعل التجربة أكثر تعقيدًا، لكنّها في الوقت نفسه أكثر رسوخًا.
ويبرز في شهاداتهم بعدٌ آخر يتعلّق بنظرة المجتمع إلى الجيش؛ فعلى الرغم من الأزمات، ما زالوا يشعرون أنّ المؤسسة العسكرية تحتفظ بمكانةٍ خاصة لدى اللبنانيين، باعتبارها رمزًا للاستقرار ومرجعًا للثقة في زمن الاهتزازات. هذا الشعور يمنحهم دافعًا إضافيًا للاستمرار، كونهم يدركون أنهم لا يمثّلون أنفسهم فقط، بل يعكسون صورة مؤسسة بكاملها.
أما على مستوى الطموح، فلا يتوقف الأمر عند التخرّج؛ فهؤلاء التلامذة يتحدثون عن مستقبل يجمع بين العلم والخدمة العسكرية، حيث لا يُنظر إلى المعرفة كخيارٍ منفصلٍ عن الحياة العسكرية، بل كجزءٍ أساسي من تطوير الأداء القيادي. القيادة بالنسبة إليهم ليست رتبة تُمنح، بل مسؤولية تُكتسب عبر الخبرة والانضباط والقدرة على اتّخاذ القرار في الظروف الصعبة.

بين الانضباط وصناعة الشخصية
في معهد الرتباء، تتّخذ التجربة طابعًا مختلفًا؛ فهي ليست بداية الحلم ولا قمّته، بل نقطة التحوّل نحو الاحترافية العسكرية والانخراط الفعلي في تفاصيل المؤسسة.
أحد التلامذة الرتباء يتحدّث عن أنّ الدافع الأول للانضمام إلى الجيش كان حب الوطن والإيمان بأنّ المؤسسة العسكرية تبقى الضمانة الأساسية لاستقراره. وجاء هذا التوجّه في ظل بيئة عائلية مرتبطة بالمؤسسة، ما عزّز لديه هذا الخيار، لكنه يشدّد على أنّ القرار بقي شخصيًا بالكامل.
تجربة أخرى تبرز من خلال متدرّب نشأ في محيط عسكري، حيث لم يكن الجيش فكرة بعيدة، بل واقعًا يوميًا عاشه عبر عائلته. بالنسبة إليه، لم يكن هناك تردد، رغم إدراكه لصعوبة الظروف الاقتصادية والأمنية في البلاد؛ بل على العكس، هذه الظروف عزّزت قناعته بأنّ الاستمرار في هذا الطريق هو شكل من أشكال الالتزام تجاه الوطن.
ويُجمع التلامذة الرتباء على أنّ أبرز التحديات التي واجهوها كانت في طبيعة التدريب الصارم، وقلّة النوم، والضغط الجسدي والنفسي المستمر. لكنّ هذه الصعوبات، بدلًا من أن تكون عائقًا، تحوّلت إلى عنصرٍ بنّاء جعلهم أكثر صلابة وقدرة على التحمّل.
في البعد الوطني، تظهر قناعة واضحة لديهم بأنّ الأزمة الاقتصادية، رغم قسوتها، لا تلغي دور المؤسسة العسكرية، بل تجعل هذا الدور أكثر أهمية. فالجيش، في نظرهم، ليس بمعزلٍ عن المجتمع، بل جزء منه، يتأثر به ويؤثّر فيه، لكنه يبقى ثابتًا في مهمته الأساسية. كما يبرز لديهم شعور قوي بالاستمرارية، إذ يرون أنّ الصعوبات الحالية مؤقّتة، وأنّ المؤسسة العسكرية ستستعيد عافيتها كما كانت، وربما بشكلٍ أفضل. هذا الإيمان بالمستقبل يشكّل عنصر توازنٍ نفسي في مواجهة الواقع الصعب.
وعند الحديث عن نظرة المجتمع، يؤكد التلامذة الرتباء أنّ احترام اللبنانيين للجيش لم يتراجع، رغم كل التحدّيات؛ بل على العكس، ما زال هناك تقدير لدور العسكري وتضحياته، حتى في ظل تغير أولويات بعض الشباب بفعل الظروف المعيشية. أما الطموح الشخصي، فلا يقتصر على الخدمة الحالية، بل يمتد إلى حلمٍ قديم­. هذا الحلم لا يُعتبر انفصالًا عن الواقع، بل امتدادًا طبيعيًا لمسارٍ طويل من الالتزام والتدرّج داخل المؤسسة.

حين يبدأ التحوّل الحقيقي
في معهد تدريب الأفراد، تبدو التجربة في بدايتها أكثر كثافة، لأنّها المرحلة التي يتم فيها الانتقال الكامل من الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية بكل تفاصيلها. ويصف أحد المتدرّبين هذا التحوّل بأنّه صادم في البداية، ليس فقط بسبب التدريب، بل بسبب تغيير نمط الحياة بالكامل: الاستيقاظ المبكر، الالتزام الصارم بالمواعيد، والانضباط في كل حركة، كلها عناصر لم تكن مألوفة سابقًا، لكنها أصبحت جزءًا من روتينه اليومي تدريجيًا.
متدربٌ آخر يختصر دوافعه بقرارٍ بين خيارين: الهجرة أو البقاء. لكنّه اختار الطريق الثالث، طريق الانخراط في الجيش، لأنه يرى فيه حفظًا للكرامة وتأمينًا لمستقبل مرتبط بالوطن. بالنسبة إليه، الجيش ليس مجرد مؤسسة، بل ضمانة لاستمرار البلد رغم كل ما يمر به.
وتبرز في هذه المرحلة فكرة مشتركة بين المتدربين حول طبيعة العلاقة بين الرفاق خلال التدريب؛ فالحياة الجماعية تفرض على الجميع الاعتماد على بعضهم البعض، فيصبح نجاح الفرد مرتبطًا بنجاح المجموعة. هذا التماسك يخلق نوعًا من الأخوّة العسكرية التي تتجاوز التعب اليومي.
كما يشير المتدرّبون إلى أنّ الأزمة الاقتصادية تؤثّر على الجميع، لكنّهم لا ينظرون إليها كسببٍ للتراجع، بل كجزءٍ من الواقع الذي يجب التعامل معه. فالدافع الأساسي لديهم لا يرتبط بالمردود المادي، بل بالإحساس بالواجب والانتماء.
وفي ما يتعلّق بالخوف، تتكرّر الفكرة نفسها: الخوف شعور طبيعي، لكن التغلّب عليه هو ما يصنع العسكري الحقيقي، لأنّ ارتداء البزة العسكرية، في نظرهم، ليس مظهرًا خارجيًا، بل مسؤولية كاملة تجاه وطنٍ وشعب. ومع مرور الوقت، يلاحظ المتدرّبون تغيّرًا في شخصياتهم. يصبحون أكثر صبرًا، أكثر قدرة على التحمّل، وأكثر وعيًا بالمسؤولية؛ التدريب لا يغير أجسادهم فقط، بل يعيد تشكيل نظرتهم إلى أنفسهم وإلى الحياة.
في النهاية، تتّضح صورة واحدة تتكرّر في كل المراحل: شبابٌ لبناني اختار البقاء حين كان بإمكانه الرحيل، واختار الالتزام حين كان التردّد خيارًا أسهل. وفي وطن تتبدّل فيه الظروف بسرعةٍ، يبقى هؤلاء المتدرّبون شهودًا على أنّ الجيش ليس مجرد مؤسسة، بل مساحة يلتقي فيها الحلم الفردي مع الواجب الوطني، في محاولة مستمرة لصناعة استقرار ما زال بعيدًا، لكنه ليس مستحيلًا.
بين الكلّية الحربية ومعهد الرتباء ومعهد تدريب الأفراد، تختلف التجارب، وتتوحّد الفكرة: الانتماء ليس شعارًا، بل فعلٌ يومي يُترجم بالانضباط والصبر والاستعداد للتضحية.