نور كيروز
ما إن بدأت الدول والمدن إعلان الحجر الصحي خلال انتشار جائحة كورونا، حتى باشرت المعارض الفنية في العالم البحث عن طرق وحلول لمكافحة خطر إقفال أبوابها أمام الجمهور. فاللوحات الفنية غُيّبت في الظلمة والفراغ، والقاعات التي كانت تضج بالنقد والمديح غمرها الصمت. ما من زائرين ولا طلاب ولا حتى موظفين. أمام هذا الواقع، لجأت المعارض الفنية إلى التكنولوجيا لتقديم بديل افتراضي يسمح للجمهور بزيارة رقمية تعوّض، ولو جزئيًا، عن الحضور الواقعي. هذه الفكرة كانت مطروحة سابقًا، غير أنّ الجائحة سرّعت اعتمادها، وبقيت في ما بعدها وسيلةً تتيح لمتذوقي الفن حول العالم، ممن تعوقهم المسافات أو الظروف، باختبار تجربة مستحدثة تشبع الحاجة والفضول للاطلاع على أعظم الأعمال الفنية والتفاعل معها ولو عن بعد.
بعد أن اعتاد عشاق الفن تلبية الدعوات لحضور المعارض الفنية في الصالات، والغوص مع الفنانين في عوالم إبداعاتهم، والتواصل مع مختلف أنواع الجمال البصري وأنماطه، بات الفن ينتظرهم اليوم في معارض افتراضية، هي عبارة عن مساحاتٍ رقمية، تتيح للفنانين عرض أعمالهم عبر الإنترنت باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي أو مواقع إلكترونية تفاعلية. وهي تسمح للمهتمين بالتنقل داخل المعرض وكأنهم في صالة عرض حقيقية، إذ توفّر جولات افتراضية ثلاثية الأبعاد، تواكب جميع زوايا المتحف أو المعرض الفني، من خلال استخدام الأجهزة الإلكترونية المتوافرة (هاتف ذكي، كمبيوتر محمول)، وبهذا، تفتح أمام الزائرين أبواب أهم المتاحف العالمية من أي مكان في العالم.
لوحةٌ واحدة بألف منشور
قد يتساءل البعض عن جدوى المعارض الافتراضية في ظلّ إمكان عرض الأعمال نفسها على مواقع التواصل الاجتماعي المتعارف عليها مثل فيسبوك، وانستغرام وتيك توك، أو حتى على المواقع الإلكترونية المتخصصة. الواقع أنّ المعارض الفنية الافتراضية تتمتع بميزاتٍ إضافية تتيح لها تقديم تجربة مختلفة تمامًا؛ بدءًا من التجول ثلاثي الأبعاد وإمكان التمعن في اللوحة أو العمل الفني من زوايا مختلفة، إلى الإضاءة التي تحاكي الواقع، فالمؤثرات الصوتية، بينما يكون العمل الفني نفسه مسطحًا وغافلًا عن التفاصيل على مواقع التواصل الاجتماعي.
إلى ذلك، ينظّم المعرض الافتراضي العمل، تمامًا كما في المعرض الواقعي. فاللوحات تُرتّب وفق أسلوبٍ فني مدروس ويتم عرضها حسب الموضوع، اللون، التاريخ أو النمط. كما يُرفق كل عمل بشروحاتٍ حول التقنيات المستعملة ومدة إنجازه، فضلًا عن الخلفيات الملهمة له كالطبيعة، المشاعر، الذكريات، القضايا الإنسانية والاجتماعية، الدين وغيرها. وهذا ما يضفي عليه بعدًا مهنيًا محترفًا، يجذب جامعي الأعمال الفنية والمشترين.
في المقابل، تُعرض الأعمال نفسها على منصات مثل إنستغرام وغيرها بصورة عشوائية بين زحمة الملايين من المنشورات أو ما يعرف بالـ Post، وتأخذ منحى الترفيه والتسلية السريعة.
جدير ذكره، أنّ زيارة المعرض الافتراضي تتّسم بالنوعية، فزائره يقصد أن يجوب أرجاءه ويتمعن في تفاصيل الأعمال من دون التشتت بوفرة المحتوى العشوائي على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يدعم فرصة خوض التجربة الفنية المحترفة للزائر مع إفساح المجال للفنان بتوسيع نطاق أعماله وعرض الأعمال أمام جمهور من محبّي الفن ومقتنيه بهدف التقدير والبيع.
صالة تشغل الحواس
على الرغم من مزاياها، تبقى للمعارض الافتراضية تحدياتها. فالتجربة الرقمية لا يمكن أن تعوض التفاعل الحسّي وإمكان لمس الأعمال الفنية أو الإحساس برائحة الزمن المنبعثة من اللوحات القديمة كالدهانات أو زيت الكتان، إلى جانب رائحة الأخشاب الطبيعية للأطر، ناهيك عن غياب الشعور بالمكان وبضخامة صالات العرض. فهناك الإحساس العميق بالهدوء والسكينة رغم الوشوشات الخافتة بين الزائرين وتسلل الهمسات النقدية تجاه العمل الفني، ما يضفي طابعًا احترافيًا وراقيًا للمكان. فالوجود في إحدى صالات اللوفر يبث فيضًا من المشاعر المتأرجحة ما بين رهبة الوقوف أمام لوحة «الزفاف في قانا» للفنان الإيطالي باولو فيرونيزي، والذهول تجاه اللوحة الزيتية «الحرية تقود الشعب» المعبرة عن الثورة الفرنسية للفنان أوجين دولاكروا، إلى الخوف والحزن اللذين تثيرهما «طوافة ميدوسا» للفنان تيودور جيريكو، وأخيرًا اختبار الشعور بالنجاح والرضا وسط تدافع الزوار، بالتماس الابتسامة الغامضة والعين المراقبة للجوكوندا بريشة الرسام الشهير ليوناردو دافنشي.
كذلك، يفتقد الزائر التواصل المباشر والمناقشة الثقافية مع الفنانين المعاصرين أو المرشدين الفنيين. هذا عدا عن الثغرة الرقمية وافتقار بعض الأفراد للمعرفة أو للوسائل التقنية لزيارة هذه المعارض.
اجتماع عالمي للوحات افتراضية
من أبرز الأمثلة على المعارض الافتراضية، معرض KUNST 2.0 وهو أول معرض فني رقمي عالمي. يقام مرةً كل عامين، ويجمع أعمال مئة وثمانين فنانًا من مختلف أنحاء العالم، تختارها بعناية ثلاثون جهة فنية عالمية. يتميز هذا المعرض بأنّ زواره لا يتنقلون بين الغرف الافتراضية، بل لهم الحرية في تصميم مسارهم الخاص. والهدف هو جذب الأشخاص غير المكترثين بالفن وإثارة اهتمامهم. الزيارة الأولى للمعرض مجانية، أما الثانية فتبلغ كلفتها خمسة يوروهات، وهو ما يعتبره القائمون عليه استثمارًا مجديًا نظرًا لغنى التجربة مقارنة بالمجلات الفنية التقليدية.
حصة لبنان
لفناني لبنان حصتهم من هذه الثورة التكنولوجية. فعلى الرغم من الأزمات المتتالية، يولي الكثيرون اهتمامًا لافتًا بالفنون بشكلٍ عام، في محاولة للارتقاء من القضايا المعيشية اليومية إلى مساحةٍ حرّة للتعبير عن الجمال. يُذكر في هذه الإطار، أنّ لبنان أطلق أول معرض افتراضي في العام 2016 تحت اسم «المتحف الافتراضي للفن الحديث» بمبادرة من وزارة الثقافة في لبنان بالتعاون مع الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة وطلاب كلية الألبا في جامعة البلمند. وهو يعرض مجموعة من الأعمال الفنية المهمة التي تعكس الفن اللبناني في فترات زمنية مختلفة، بما في ذلك أعمال موجودة في القصر الرئاسي ومقرات حكومية أخرى.
بدأ المشروع كموقعٍ إلكتروني يمكن الوصول إليه عبر الحواسيب، ثم تطور ليشمل تطبيقًا خاصًا بالهواتف المحمولة والألواح الرقمية لتقديم تجربة أفضل وأكثر تفاعلية. وهو يُعد خطوةً مهمة لتوثيق الفن التشكيلي اللبناني ووضعه على الخريطة الفنية العالمية، كما يسهم في ترويج الثقافة اللبنانية.
بين ريشة الإنسان وخوارزمية الذكاء الاصطناعي
لا شك في أنّ تزامن الثورة التكنولوجية وانتشار جائحة كورونا طال وسائل عرض الأعمال الفنية وأثّر إيجابًا على انتشارها عالميًا، لكن الأمور قد تأخذ منحى خطيرًا. فإلى جانب اللوحة الحقيقية في المعرض الافتراضي هناك أيضًا عمل فني اصطناعي. وفي حين يعتبر فن الرسم موهبة ربانية للتعبير عن الذات الإنسانية والتأثير في المجتمع، هناك اقتحام للعمل الفني المولّد من خلال الذكاء الاصطناعي الذي يعتمد على خوارزميات ومجموعة بيانات وأنظمة رياضية. وهو قادر على تقليد أسلوب المشاهير من الفنانين. الأمر يثير جدلًا ثقافيًا وأخلاقيًا حول قيمة هذا «الفن الاصطناعي» وغايته في مقابل ريشةٍ خشبية، بركان مشاعر، ألوان مبعثرة و…لوحة عظيمة.








