ليال صقر الفحل

يُعدّ مرض السكري من أكثر الأمراض المزمنة شيوعًا وانتشارًا في مختلف أنحاء العالم، ويشكّل تحديًا صحيًا متزايدًا بسبب مضاعفاته المحتملة إذا لم يُشخَّص ويُعالج في الوقت المناسب. وكثيرًا ما نسمع عن ارتفاع ”مخزون السكر“ أو عن نتائج فحوصات تراوح بين المعدلات الطبيعية ومرحلة ما قبل السكري، وصولًا إلى تشخيص المرض، ما يثير تساؤلات عديدة: ما هي القيم الطبيعية لمستويات السكر في الدم؟ وفي أي مرحلة يصبح العلاج بالأدوية أو بالأنسولين ضروريًا؟ وما هي المؤشرات التي تستوجب مراجعة الطبيب من دون تأخير؟

يؤدي ارتفاع مخزون السكر إلى مضاعفات صحية لا يمكن الاستهانة بها، فهو يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين والكلى والعينين والأعصاب إذا لم يُحسن التحكم بمستوى السكر في الدم. وعلى الرغم من التطور الكبير في وسائل العلاج، تبقى الوقاية والكشف المبكر والمتابعة الدورية الركائز الأساسية للحد من هذه المضاعفات.

 

كيف ينظّم الجسم مستوى السكر؟
يحافظ الجسم على مستوى السكر ضمن معدلاته الطبيعية من خلال منظومة هرمونية متكاملة، يأتي في مقدمتها هرمونا الأنسولين والغلوكاغون اللذان يفرزهما البنكرياس. فالأنسولين ينقل الغلوكوز من الدم إلى الخلايا لاستخدامه في إنتاج الطاقة، بينما يعمل الغلوكاغون على رفع مستوى السكر عند انخفاضه، بما يضمن الحفاظ على التوازن. وعندما يقل إفراز الأنسولين أو تصبح خلايا الجسم أقل استجابة له، يرتفع مستوى الغلوكوز في الدم.

وبهذا، ينقسم مرض السكري إلى نوعين رئيسيين، يحدث النوع الأول عندما يتوقف البنكرياس عن إنتاج كمية كافية من الأنسولين، فيرتفع مستوى السكر في الدم، ويحتاج المريض إلى العلاج بالأنسولين فور التشخيص.
أمّا النوع الثاني، وهو الأكثر شيوعًا، فينتج عن مقاومة خلايا الجسم لتأثير الأنسولين، مع تراجع تدريجي في إفرازه، ما يؤدي إلى ارتفاع مستوى السكر في الدم.
ويبدأ علاج هذا النوع عادةً بتعديل النظام الغذائي، وزيادة النشاط البدني، وإنقاص الوزن إذا لزم الأمر. وفي حال لم تحقق هذه الإجراءات السيطرة المطلوبة على مستوى السكر، أو إذا كانت مستويات السكر مرتفعة بشكلٍ واضح عند التشخيص، يصف الطبيب الأدوية الخافضة للسكر، وقد يلجأ إلى الأنسولين في بعض الحالات، سواء مؤقتًا أو بشكل دائم.
أمّا في حالات الارتفاع الشديد للسكر أو ظهور أعراض واضحة، مثل العطش الشديد، وكثرة التبول، وفقدان الوزن غير المبرر، فقد يكون البدء بالأنسولين ضروريًا منذ البداية حتى في النوع الثاني.

 

متى تصبح الأرقام مقلقة؟
يُعرف مخزون السكر، أو السكر التراكمي (HbA1c)، بأنّه الفحص الذي يقيس متوسط مستوى السكر في الدم خلال الأشهر الثلاثة السابقة، من خلال قياس نسبة الغلوكوز المرتبطة بالهيموغلوبين في كريات الدم الحمراء. ويُعد هذا الفحص من أهم الوسائل التي يعتمد عليها الأطباء لتشخيص مرض السكري وتقييم فعالية العلاج، لأنّه يقدم صورة عن معدل السكر على المدى الطويل، وليس في لحظة إجراء الفحص فقط.
يُنصح مرضى السكري بإجراء هذا الفحص بشكلٍ دوري كل شهرين إلى ثلاثة أشهر، أما إذا كانت مستويات السكر مستقرّة وتحت السيطرة، فيكتفي الطبيب بإجرائه كل ستة أشهر. لذلك، ينبغي عدم الاكتفاء بقراءة نتيجة الفحص، بل مراجعة الطبيب لتقييم الحالة بصورة شاملة وتحديد ما إذا كانت تستدعي تعديل نمط الحياة، أو البدء بالعلاج الدوائي، أو الاكتفاء بالمتابعة الدورية.
وتُصنّف نتائج فحص المخزون على النحو الآتي:
– أقل من 5.7%: مستوى طبيعي.
– من 5.7% إلى 6.4%: مرحلة ما قبل السكري.
– 6.5% أو أكثر: مؤشر إلى الإصابة بمرض السكري، ويستلزم مراجعة الطبيب لتأكيد التشخيص ووضع خطة العلاج.

هل تؤثر أمراض أخرى في نتيجة الفحص؟
لا يعتمد الطبيب على فحص السكر التراكمي وحده، بل يقيّم أيضًا الأعراض السريرية ونتائج فحوصات أخرى قبل اتخاذ القرار العلاجي، سواء كان بتعديل نمط الحياة أو بالأدوية أو بالأنسولين. فقد تتأثر نتائج الفحص ببعض الحالات الصحية التي تؤثّر في عمر كريات الدم الحمراء أو في الهيموغلوبين، مثل بعض أنواع فقر الدم، أو نقص فيتامين 12B، أو التلاسيميا، أو فقدان الدم الشديد، لذلك ينبغي تفسير النتيجة دائمًا في ضوء الحالة الصحية العامة للمريض.

من هم الأكثر عرضة للإصابة؟
يزداد خطر الإصابة بمرض السكري لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي مع المرض، أو يعانون زيادة الوزن أو السمنة، أو يتبعون نمط حياة قليل النشاط البدني. لذلك، يُنصح هؤلاء بإجراء الفحوصات الدورية واستشارة اختصاصي الغدد الصماء عند الحاجة، للكشف المبكر عن المرض ووضع خطة وقائية أو علاجية مناسبة، سواء بتعديل النظام الغذائي، أو إنقاص الوزن، أو اللجوء إلى العلاج الدوائي إذا استدعت الحالة.

 

متى تظهر الأعراض؟
قد لا يشعر بعض الأشخاص بأي أعراض، وهو ما يجعل الفحص الدوري بالغ الأهمية، بينما تظهر لدى آخرين علامات أبرزها: العطش الشديد، كثرة التبول، جفاف الفم وتشقق الشفتين، التعب والإرهاق، تشوش الرؤية، فقدان الوزن غير المبرر.
ختامًا، لا يمكن خفض نتيجة السكر التراكمي بالامتناع عن تناول السكر أو باتباع حمية غذائية لبضعة أيام قبل إجراء الفحص، لأنّ هذا التحليل يعكس متوسط مستوى السكر في الدم خلال نحو ثلاثة أشهر. ولهذا السبب، يُعدّ السكر التراكمي مرآة حقيقية لنمط الحياة ومدى نجاح السيطرة على المرض.
ويبقى إجراء هذا الفحص بصورة دورية (كل ستة أشهر)، إلى جانب التزام نظام غذائي صحي، وممارسة النشاط البدني، والمتابعة الطبية المنتظمة، من أفضل الوسائل للوقاية من مضاعفات السكري والحفاظ على صحة الجسم على المدى الطويل.