المعاون كرستينا عباس
في منتصف القرن التاسع عشر، كانت جبال لبنان تستيقظ كل ربيع على إيقاعٍ فريد يملأ البيوت حركةً لا تهدأ. ففي هذا الفصل، كانت ”شجرة الذهب“ – أي شجرة التوت الأبيض – تستعيد أوراقها، معلنةً بداية موسم تربية دود القز، المعروف بـ ”موسم العز“. ولم يكن هذا الموسم مجرد دورة زراعية، بل كان الركيزة الأساسية لصناعة الحرير التي حملت من الخير ما يكفي لإعالة آلاف العائلات وأسهمت في ازدهار الاقتصاد اللبناني.
فكيف بدأت هذه الصناعة العريقة؟
وكيف انتهى بها المطاف إلى ما هي عليه اليوم؟
تُعتبر صناعة الحرير جزءًا لا يتجزأ من الهوية التاريخية والاقتصادية للبنان، وتمتد جذورها إلى ما هو أبعد من القرن التاسع عشر. فمنذ العهد الفينيقي، كان التجار يستوردون الأقمشة الحريرية والخيوط النفيسة القادمة من الشرق عبر الشبكات التجارية التي عُرفت لاحقًا باسم طريق الحرير، ثم يعيدون صبغ بعضها بالأرجوان الشهير في مدينتي صور وبيروت، قبل إعادة تصديرها إلى أسواق البحر المتوسط، حتى غدت من أفخر السلع التي اقتناها ملوك العالم القديم ونبلاؤه، ودفع أباطرة روما ونبلاؤها مقابلها ذهبًا.
غير أنّ تربية دود القز نفسها ظلّت محدودة حتى القرن السادس ميلادي، عندما نجح راهبان بيزنطيان، وفق الروايات التاريخية، في تهريب بيوض دود القز من الصين إلى الإمبراطورية البيزنطية داخل عصي خيزران مجوّفة، فكانت تلك الانطلاقة الفعلية لتربية دود القز في الجبال اللبنانية والسورية، وبدأ المشهد الطبيعي يتغير تدريجيًا إذ تمّت زراعة ملايين أشجار التوت الأبيض لتأمين الغذاء لهذه المخلوقات الصغيرة التي أصبحت لاحقًا أساس إحدى أهم الصناعات في المنطقة.
عملية دقيقة وشيّقة
كان حلول الربيع يشكّل محطة مفصلية في حياة العائلات اللبنانية، ولا سيما في القرى الجبلية. فقد كانت الغرف تُجهّز بأنظمة تحكّم حراري لتوفير البيئة المناسبة لنمو دود القز، وتُفرش فيها أسرّة خشبية ضخمة مغمورة بالقش، تستقبل بيوضًا صغيرة جدًا كحبات الرمل.
وعندما تفقس هذه البيوض، تخرج منها يرقات سوداء صغيرة جائعة تتغذى من أوراق التوت التي تجمعها العائلة وتقطّعها بشكلٍ ناعم لتناسب أفواه اليرقات. ومع مرور الأسابيع، تكبر الديدان ويتغيّر جلدها أربع مرات في عمليةٍ مجهدة تُعرف بـ «التنسيل»، حتى يصل طولها إلى حجم الإصبع ويتحول لونها إلى الأبيض الناصع.
في هذه المرحلة، يبدأ صوت القضم الجماعي لأوراق التوت الذي يشكّل سيمفونية غنائية في سكون الليل، ويشبه تمامًا هطول المطر الخفيف على أسطح القرميد.
وبعد نحو شهر من الأكل المتواصل تتوقف الديدان فجأةً عن الطعام، ويصبح جسمها شبه شفاف. وبتوجيهٍ من غريزتها، تبدأ البحث عن أغصانٍ جافة تُثبّت عليها خيوطها الأولى. ثم تفرز من غدتين حريريتين سائلًا بروتينيًا يخرج عبر الفم، وما أن يلامس الهواء حتى يتصلّب ويتحوّل إلى خيط حريري متين. وهكذا تصنع حول جسدها شرنقة بيضاء أو ذهبية، بيضاوية الشكل في عملية تستغرق ثلاثة أيام متواصلة من العمل الدؤوب. وتُنتج كل دودة خيطًا حريريًا واحدًا يراوح طوله بين 300 و900 متر من دون أي عقدة.
بعد هذه الخطوة، يصل المربي إلى المرحلة الأكثر حَرجًا ودقة في الدورة بأكملها: فلو تُرِكت الدودة داخل بيتها الحريري لأسبوعين لتحوّلت إلى فراشة وقامت بإفراز مادة حمضية تثقب بها الشرنقة لتخرج منها. وإن حدث هذا التحوّل، يتمزّق الخيط الحريري الطويل ويتحوّل إلى شعيرات قصيرة لا فائدة منها للغزل وصناعة الحرير. لذلك، كان المربّون يعمدون سريعًا إلى منع هذا التحوّل من خلال نشر الشرانق لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، أو تعريضها لبخار الماء الساخن، أو وضعها في غرف تجفيف حديثة. وأخيرًا، تُنقل المحاصيل إلى «الكرخانة» (وهو الاسم المحلي الذي كان يطلقه اللبنانيون على معامل صناعة الحرير) من أجل العمل على تصنيع الملابس.
وكانت النساء والفتيات يجلسن أمام قدور نحاسية ضخمة مليئة بالماء المغلي، يرمين فيها الشرانق لتذويب المادة الصمغية التي تمسك الخيوط ببعضها. وبأصابع خبيرة ورشيقة وبتأثير البخار المتصاعد من القدور، يلتقطن أطراف الخيوط الدقيقة المجهرية ويجمعن خيوط عدة شرانق معًا. وبعدها، يفتلنها على مغازل ميكانيكية ضخمة تدور بقوة الماء أو البخار. ومن رَحْم هذه العملية يولد «الحرير اللبناني الخام» البرّاق. وخلال العصر الذهبي لهذه الصناعة، بين العامين 1840 و1912، انتشرت كرخانات الحرير في مختلف قرى جبل لبنان، حتى بلغ عددها نحو 183 معملًا.
مرارة الواقع
في القرن التاسع عشر، ازدهرت صناعة الحرير بشكلٍ غير مسبوق في جبل لبنان وأُنشئت آنذاك معامل حديثة لغزل الحرير. وتشير تقديرات عدد من المؤرخين إلى أنّ الحرير كان يؤمّن ما يقارب نصف مداخيل متصرفية جبل لبنان، كما شكّل المصدر الرئيسي للصادرات نحو الأسواق الأوروبية، ولا سيما مدينة ليون الفرنسية التي كانت تُعد العاصمة العالمية لصناعة الحرير. وقد سُميت تلك الحقبة بالعصر الذهبي لصناعة الحرير، ولم يقتصر أثرها الإيجابي على الاقتصاد فحسب، بل أسهمت في ظهور المصارف التجارية التي سهّلت عمليات التصدير والاستيراد، كما تركت بصمتها في البنية الاجتماعية، حتى أنّ كثيرًا من العائلات اللبنانية اكتسبت أسماءها من هذه المهنة، مثل الحريري والحايك والقزي.
غير أنّ «دوام الحال من المحال»، فمع دخول القرن العشرين، هبّت رياح التغيير القاسية وتراجع هذا المجد بفعل ظهور الألياف الاصطناعية الرخيصة كالنايلون والبوليستر وسواها من الأقمشة الرخيصة. كما أنّ المنافسة العالمية الشرسة من دول ذات تكلفة إنتاج منخفضة للغاية كالصين والهند في مجال الألبسة الجاهزة، تسبّب بتراجع الطلب على الحرير عالي الجودة والذي أصبح بالنسبة إلى كثيرين ترَفًا لا يستطيعون مجاراته. كذلك، زاد نشوب الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية في المنطقة وفي البلاد آنذاك من تفاقم الأزمة، حيث أُهلكت مساحات شاسعة من أشجار التوت وتوقف الدعم الرسمي، ما أدّى إلى صمت المغازل وإغلاق المعامل واحدًا تلو الآخر وهجرة المزارعين من أراضيهم أو من البلد بشكلٍ عام. واليوم، تلاشت هذه الصناعة كليًا من دورة الاقتصاد الفعلي اللبناني باستثناء بعض المبادرات الفردية في عدد قليل من المناطق اللبنانية.
ذاكرة لا يجب محوها!
ربما تكون صناعة الحرير قد غابت عن المشهد الاقتصادي في لبنان، لكنها لم تغب عن الذاكرة. ففي بلدة بسوس الجبلية في قضاء عاليه، ما زالت أمجادها حاضرة، حيث خضع أحد المعامل العريقة لعملية ترميم دقيقة في العام 2001، ليتحوّل إلى «متحف الحرير». ويقف هذا الصرح اليوم كحارسٍ للذاكرة الثقافية، إذ يعرض بالصور والوثائق والشرانق الحية تفاصيل تلك الحقبة، ويروي لكل جيل جديد كيف غزل اللبنانيون يومًا ثروة وطنهم وتاريخهم من خيوط الذهب الطبيعي.
كذلك، تُبذل محاولات متفرقة لترميم بعض الكرخانات القديمة وتحويلها إلى متاحف، كما في بلدة كفرمتى في الشوف، حفاظًا على هذا الإرث الصناعي والثقافي، إلّا أنّ معظم هذه المبادرات ما زال في بداياته.
وبين الماضي المجيد والحاضر المتواضع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الحرير اللبناني أن يستعيد مكانته يومًا، ولو بوصفه صناعة تراثية وثقافية ذات قيمة اقتصادية مضافة؟
حقائق عامة
– يتطلّب إنتاج ربطة عنق حريرية واحدة حوالى 110 شرانق، بينما يتطلب قميص الحرير نحو 630 شرنقة.
– تضع دودة القز 500 بيضة تقريبًا.
– شرانق الحرير ثلاثة ألوان: أبيض، أصفر، وبرتقالي. يُنتج الأبيض خيط حريرٍ باب أول، والأصفر باب ثانٍ، أما البرتقالي فباب ثالث.
ميزات الحرير
– يمتاز ببريق طبيعي ينفرد به عن باقي الخيوط الكيميائية والطبيعية.
– يمكن صبغه وطبعه بمعظم أنواع الصباغ.
– عازل ممتاز للحرارة: يمنح الدفء شتاءً والبرودة صيفًا.
– يمتص الرطوبة حتى معدل 30% من وزنه ومع ذلك تشعر به جافًا. وهو يمتص التعرّق ولا يلتصق بالجسد.













