د. ألكسندر أبي يونس – باحث وأستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية
شكّلت المخاضات السياسية في صيف العام 1943 وخريفه، المحطة الفاصلة التي حققت استقلال لبنان الحديث. ففي ظل تصارع النفوذين الفرنسي والإنكليزي على أرض الوطن، أدركت القوى السياسية من مختلف الكتل والطوائف حرج المرحلة وأهميتها، فخاضت معارك محتدمة في انتخابات نيابية أُجريت على دورتين؛ الأولى في 29 آب والثانية في 5 أيلول، فتحت الباب على وسعه نحو انتزاع السيادة التامة.
أدت هذه المحطة المفصلية إلى انتخاب الشيخ بشارة الخوري رئيسًا للجمهورية من دون منافس في 21 أيلول، وإلى تكليف رياض الصلح بتشكيل الحكومة في 25 أيلول، والتي ضمّت حبيب أبو شهلا، وسليم تقلا، والأمير مجيد أرسلان، وكميل شمعون، وعادل عسيران.
وفي 7 تشرين الأول، حازت الحكومة على ثقة النواب بـ 52 صوتًا من أصل 55 نائبًا. شكّلت هذه الثقة النيابية الشرعية الشاملة التي انطلقت منها الحكومة لخوض معركة الاستقلال الدستوري، والتي مهّدت للأحداث التاريخية الحاسمة في تشرين الثاني من العام نفسه.
الظروف التي هيّأت تعديل الدستور
(19 تشرين الأول – 6 تشرين الثاني)
افتتح المجلس النيابي عقده العادي الثاني في 19 تشرين الأول، وأُعيد انتخاب صبري حماده رئيسًا له بـ 47 صوتًا. لم تكن هذه الدورة مجرد انعقاد روتيني، بل تحوّلت إلى غرفة عمليات خاضت فيها أكثرية المجلس والحكومة سباقًا مع الزمن لتكريس الاستقلال التام، إذ بادرت السلطة اللبنانية إلى قرار سيادي بتعيين ممثلين لها في الخارج من دون الاستئناس برأي المندوبية الفرنسية. وفي مسعى لحسم القضايا العالقة، أعرب رئيسا الجمهورية والحكومة للمندوب السامي الفرنسي جان هلّلو، عن رغبتهما الصريحة في تعديل الدستور واستلام المصالح المشتركة وتحويل المندوبية السامية الفرنسية إلى ممثلية دبلوماسية ترعى العلاقات بين دولتين مستقلّتين.
أمام هذا التحدّي السيادي، طلب هلّلو مهلة أسبوعين للتباحث مع مرجعيته في الجزائر حول الرد المناسب. وهناك، استمعت إليه لجنة مصغّرة ضمّت رؤوس القرار في «فرنسا الحرة»: الجنرال شارل ديغول، والجنرال جورج كاترو، ورينيه ماسيغلي. رسمت اللجنة لـ هلّلو خطوطًا حاسمة وقاسية للرد، جاءت مناقضة لتطورات العصر، ومنها التمسّك المباشر بعدم تسليم السلطات والمصالح المشتركة للدولة اللبنانية ما لم يُبرم عقد صداقة وتحالف بين الدولتين على غرار مشروع معاهدة 1936، وإبلاغ لبنان بأنّ هذا القرار قطعي، وأنّ من حق فرنسا ممارسة صلاحيات سيادتها من دون مناقشة.
وقَع القادة الفرنسيون في خطأ استراتيجي بسبب تجاهل واقع الاستقلال المكتسب، وإغفال البعد العربي، والتناقض مع استراتيجية الحلفاء، إذ لم ينسجم القرار مع توجّهات الإنكليز والأميركيين الذين التزموا منح الاستقلال لسوريا ولبنان. أدى هذا الموقف غير الواقعي إلى إشعال فتيل الأزمة: تعديل دستوري لبناني كـ «ردة فعل»، فاعتقال فرنسي للسلطة اللبنانية كـ «ردة فعل على ردة الفعل».
في جلسة 28 تشرين الأول، وضع رياض الصلح النواب في أجواء مذكّرته المرفوعة إلى هلّلو، ملوّحًا بالخطوة الحاسمة: «إنّ الحكومة ستعمد منفردة إلى تعديل الدستور، وقد قدّمت المشروع للمجلس للتصويت عليه».
جاء الرد الفرنسي سريعًا وعنيفًا. فمع وصول أنباء التعديل الأُحادي، أرسلت اللجنة الوطنية الفرنسية للتحرير إلى إيف شاتينيو Yves Chataigneau (القائم بأعمال المندوب السامي بغياب هلّلو) برقية (في 5 تشرين الثاني) تنّص على الآتي: «إنّ السلطات الفرنسية لا يمكنها الاعتراف بصحة أي تعديل يجري من دون موافقة لجنة التحرير الوطني الفرنسي، إذ لا يمكن تحوير نصوص ناجمة عن موجبات دولية تعهدت بها فرنسا». سلّم ممثل المندوبية الفرنسية لدى الحكومة اللبنانية دافيد البيان لرئيسَي الجمهورية والحكومة ووزّعه على الصحف.
فجاء الرد اللبناني صاعقًا:
– أصدر الرئيس بشارة الخوري المرسوم رقم 92 الذي يقضي بعرض قانون تعديل الدستور على مجلس النواب في دورته العادية.
– اجتمع مجلس الوزراء ظهر اليوم نفسه، وأحال مشروع التعديل فورًا إلى البرلمان متضمّنًا دعوته للانعقاد يوم 8 تشرين الثاني.
– في 6 تشرين الثاني، نُشرت المواد المراد تعديلها وإلغاؤها (تلك المتعلّقة بالانتداب والمتعارضة مع الاستقلال التام)، وأُعطي النواب مهلة خاطفة مدّتها يومان فقط لدراسة مشروع التعديل قبل الجلسة التاريخية المرتقبة.
8 تشرين الثاني: يوم التعديل
في وقت الظهيرة، وصل هلّلو إلى القاهرة قادمًا من الجزائر، على أن يتابع طريقه إلى بيروت على وجه السرعة. وعندما تناهى إلى علمه أنّ البرلمان اللبناني يستعد لمناقشة مشروع تعديل الدستور بعد ظهر اليوم نفسه، أسرع بإرسال مذكرة عاجلة عبر معاونيه إلى الرئيس بشارة الخوري ورياض الصلح، تضمّنت المذكرة طلبًا صريحًا بإرجاء الجلسة النيابية إلى ما بعد وصوله، بحجة أنّه يحمل مقترحات جديدة و«مهمة»، مشدّدًا على «عدم وضعه أمام الأمر الواقع، وإلّا سيعتبر نفسه مضطرًا للاحتفاظ بكامل حريته في تقدير الأمور والتصرّف»، وهي العبارة التي حوّلت المذكرة من طلب دبلوماسي إلى تهديد مبطّن.
رفض الصلح استلام الرسالة واشترط حذف عبارة التهديد. وبعد اتصالات عاجلة أُسقطت العبارة، وانتظر الفرنسيون الرد الرسمي قبل الساعة الثالثة عصرًا. عقد مجلس الوزراء جلسة مستعجلة، حسم فيها الموقف السيادي بقرار قطعي: «إن المقترحات التي يحملها السفير هلّلو لا علاقة لها بقضية تعديل الدستور؛ فهذا التعديل شأن داخلي وسيادي بحت». وقبل انعقاد الجلسة النيابية بنصف ساعة فقط، أُبلغ الفرنسيون بالقرار اللبناني الحاسم: لا تأجيل.
في تمام الساعة الثالثة بعد الظهر، افتُتحت الجلسة التاريخية في حضور غالبية النواب، وحضور استثنائي لممثّلي البعثات الدبلوماسية الدولية والعربية (بريطانيا، الولايات المتحدة، مصر، والعراق).
عُرض مشروع القانون الدستوري القاضي بتعديل المواد: 1، 5، 11، 52، 102، وإلغاء المواد المتّصلة بالانتداب نهائيًا وهي: 90، 91، 92، 93، 94. وكان بين المواد المعدلة المادة 5 المتعلّقة بالعلم اللبناني.
خلال الجلسة، تقدّم النائب جورج عقل بمقترح لإحالة مشروع القانون إلى لجنة خاصة لدراسته بتأنٍ، مستشهدًا بتعديل 1927 الذي تطلّب 5 جلسات، وتعديل 1929 الذي أُحيل للجنة خاصة ونوقش لأكثر من شهرين. ودار في القاعة سجال حاد، غير أنّ رئيس المجلس طرح المقترح على التصويت فصوّتت الغالبية الساحقة على المناقشة الفورية من دون إبطاء.
تعاقب على الكلام النواب: سامي الصلح، سعدي المنلا، صائب سلام، هنري فرعون، يعقوب الصرّاف، إميل لحود، وجميل تلحوق، وطرح النائب أسعد البستاني نقطة جوهرية يتعلّق بها مصير لبنان الجنوبي، ماليًا وسياديًا، وطالب بتحديد الحدود الجنوبية بدقةٍ وعدم تركها مبهمة، فعُدّلت المادة الأولى من الدستور لتُصبح: «جنوبًا: حدود قضائي صور ومرجعيون الجنوبية الحالية». أثار هذا التعديل حفيظة البعثة البريطانية لأنّها كانت ترغب بالإبقاء على الإبهام في الحدود الجنوبية مراعاةً للمشروع الصهيوني في فلسطين.
بعد مناقشة خاطفة استمرت ساعتين فقط، حُسم الأمر وطُرح المشروع للتصويت، فوافق 48 نائبًا على التعديل وإسقاط مواد الانتداب. ولقطع الطريق كليًا على أي مناورة قد يقوم بها هلّلو، سارع الرئيس بشارة الخوري إلى توقيع القانون ونشره فورًا في الجريدة الرسمية صباح 9 تشرين الثاني، ليدخل التعديل حيّز التنفيذ قبل أن تطأ قدم هلّلو أرض بيروت! وكان ذلك بمثابة زلزال دستوري وسياسي أطاح بشرعية وجود فرنسا في لبنان.
9-11 تشرين الثاني
عقب نشر التعديل الدستوري، وصل هلّلو إلى بيروت بعد ظهر اليوم نفسه، وتصاعدت الأزمة بسرعةٍ دراماتيكية. ففي صباح 10 تشرين الثاني، عمدت المندوبية الفرنسية إلى سحب الدعوات الموجّهة للقيادات اللبنانية لحضور احتفال «عيد الهدنة». ردّ رئيس الجمهورية وسائر أعضاء السلك الدبلوماسي بالاحتجاج والمقاطعة، مكتفين بإرسال الملحقين العسكريين، بينما اتخذت القيادة العامة للجيش التاسع البريطاني قرارًا بالمقاطعة التامة.
تزامن ذلك مع زيارة ملك يوغوسلافيا لبيروت ونزوله ضيفًا على هلّلو في «قصر الصنوبر». وخلال مأدبة عشاء أقامها السفير البريطاني إدوارد سبيرس (في حضور الوزير سليم تقلا)، طمأن هلّلو سبيرس بأنّه لن يلجأ إلى أي إجراء عنيف يعكّر صفو الأمن.
لكن، في كواليس المفوضية، صاغ هلّلو قرارين حاسمين وقّع عليهما مع الأمين العام شاتينيو ودخلا حيّز التنفيذ فجر 11 تشرين الثاني: القرار رقم 464F.C. الذي ألغى التعديلات الدستورية المتخذة في جلسة 8 تشرين الثاني، وحل مجلس النواب، وعلّق الدستور إلى حين إجراء انتخابات جديدة، وعيّن رئيس دولة ورئيس حكومة بقرار من المندوب السامي يمارس السلطة التنفيذية. والقرار رقم 465F.C. الذي قضى بتعيين إميل إده رئيسًا مؤقتًا للدولة ورئيسًا للحكومة وتفويضه الصلاحيات المذكورة.
فجر 11 تشرين الثاني، داهمت القوات الفرنسية منازل رجالات الدولة، واعتقلت رئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري، ورئيس الحكومة رياض الصلح، والوزراء كميل شمعون، وسليم تقلا، وعادل عسيران، والنائب عبد الحميد كرامي، واقتادتهم جميعًا إلى قلعة راشيا.
في هذه الأثناء، أرسل هلّلو انطوان رزق، أحد كبار موظفي المفوضية العليا، إلى إميل إده لينقل إليه رغبته الاجتماع به في السراي الكبير، وأطلعه على تقارير تزعم وجود مخطط لبشارة الخوري ورياض الصلح وحلفائهم لإبدال الانتداب الفرنسي بآخر بريطاني، محذرًا إيّاه من أنّ رفض التعيين سيدفعه لتسمية حاكم عسكري فرنسي، مما يضع البلاد تحت السيطرة البريطانية المباشرة بموجب اتفاقية ديغول – ليتلتون. وصل ريمون إده إلى السراي محاولًا ثني والده عن قبول التعيين، وحذّره قائلًا: «إنك ترتكب خطأً تاريخيًا؛ ففي الظروف الحالية ستُتهم بالخيانة، بينما سيصبح المعتقلون الأبطال الحقيقيين للاستقلال». فردّ إميل إده: «الوقت تأخر، ولا بد من إنقاذ الوضع بأي ثمن». وعندما علم إميل إده بالاعتقالات، اشترط على هلّلو الإفراج الفوري عن المعتقلين لكي يستلم السلطة، معتبرًا أنّ المعارضة يجب أن تنحصر في أروقة البرلمان للوصول إلى تسوية تحمي الكيان.
إن قبول إميل إده برئاسة الدولة لم يكن دافعه السعي وراء المنصب بقدر ما كان مسكونًا بهاجس توقيع معاهدة دفاعية مع فرنسا تضمن ثبات الكيان اللبناني ووجوده وهويته، وتؤمّن حماية دولية ضد أطماع الحركة الصهيونية في مياه الليطاني وجنوب لبنان، وضد التمدّد السوري وأطماعه في الأقضية الأربعة (حاصبيا – راشيا – بعلبك والبقاع). فإده كان يريد أن تبقي فرنسا لها قواعد عسكرية في لبنان لتحميه من أطماع السوريين والإسرائيليين تمامًا كالقواعد العسكرية الأميركية والبريطانية والروسية الموجودة في دول الخليج وسوريا ومصر والعراق وتركيا والأردن وهي لا تنتقص من سيادة هذه الدول واستقلالها. رأت الغالبية الشعبية والسياسية في خطوة إده تغطية للانقلاب الفرنسي وصولًا إلى اتهامه من قِبَل البعض بالتخطيط للاعتقالات، وهو أمر نفاه منير تقي الدين أحد رجالات الاستقلال، كما نفاه هلّلو في مذكراته حين أعلن تحمّله المسؤولية الشخصية المباشرة عن أحداث تشرين الثاني والمداهمات، مؤكدًا عدم علم ديغول أو إده بالخطوة مسبقًا.
لمّا حلّت الساعة 8:30 صباحًا، ألقى هلّلو بيانًا عبر «راديو الشرق» أعلن فيه حل البرلمان وتعليق الدستور وتكليف إده، متجاهلًا ذكر الاعتقالات. وشرع إده في محاولة تأليف حكومة، ففشل، بينما نجح الوزيران اللذان لم يعتقلا، أبي شهلا وأرسلان، في الاجتماع وإصدار المرسوم رقم 1، مؤكّدين ممارسة صلاحيات مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية مؤقتًا برئاسة حبيب أبي شهلا.
في تمام الساعة 11:00 قبل الظهر، عقد 7 نواب جلسة تاريخية في مقر البرلمان المحاصر، وكانت الجلسة برئاسة صبري حمادة، وحضور النواب: سعدي المنلا، هنري فرعون، صائب سلام، رشيد بيضون، مارون كنعان، ومحمد الفضل، وبمعاونة أمين السر خليل تقي الدين. خلال هذه الجلسة، وُلد العلم الرسمي للبنان المستقلّ.
وفي الساعة 2:00 بعد الظهر، اقتحمت الفرقة العسكرية الفرنسية البرلمان وطردت النواب بالقوة. انتقل النواب إلى دارة صائب سلام في المصيطبة حيث وصل عددهم إلى 33. أقرّ المجتمعون دعم الحكومة الشرعية المتمثّلة في أبي شهلا وأرسلان، ورفضوا قرارات العزل والتعيين، موجّهين مذكرة رسمية إلى الممثلين الدبلوماسيين للمطالبة بالإفراج الفوري عن المعتقلين. تزامن ذلك مع اندلاع مظاهرات عفوية في الشوارع، وإضراب الصحف، ومنع التجوّل بدءًا من الساعة 6,30 مساءً، وأُغلقت خطوط الاتصال الهاتفي.
12 تشرين الثاني
نكث هلّلو بوعده لإده بالإفراج عن المعتقلين، ففجّر إده قنبلة سياسية بتقديم استقالته. استمهله هلّلو 24 ساعة للمباحثات مع قيادته، وانفجر الشارع اللبناني غضبًا، وتصدّرت المظاهرات النسائية المشهد باحتجاجاتٍ حاشدة أمام المفوضيات الدولية. وعندما تدخّلت القوات الفرنسية بالقوة لتفريق المحتشدين، اتخذت حكومة أبي شهلا قرارها التاريخي باللجوء إلى بشامون وتأسيس «الحرس الوطني».
تحوّلت الأزمة إلى مواجهة دولية محتدمة إذ وجّهت بريطانيا إنذارًا صارمًا للفرنسيين تطالبهم بالإفراج الفوري عن المعتقلين، واستدعاء هلّلو، والدعوة لمؤتمر خماسي (فرنسي-بريطاني-أميركي-لبناني- سوري). وقد أعرب رئيس الحكومة البريطانية ونستون تشرشل عن تأثّر حكومته بما يحصل للّبنانيين على يد الفرنسيين، فردّ الفرنسيون عليه بتساؤل استنكاري «عمّا إذا كان تشرشل يقبل أن يتصرّف الفرنسيون في فلسطين كما يتصرّف البريطانيون في لبنان». وقد هدّد تشرشل ديغول، وطالبه بإطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين وإعادتهم إلى مراكزهم، وإلّا ستبادر بريطانيا وأميركا إلى إلغاء اعترافهما باللجنة الوطنية الفرنسية، وإيقاف تسليح القوى العسكرية الفرنسية الموجودة في أفريقيا. كما أصدر تشرشل أوامره للجنرال ويلسن ليكون على استعداد لفرض النظام والهدوء في لبنان. على الأثر، تلقّت القنصلية الأميركية في بيروت برقية عاجلة من واشنطن تحظّر أي اتصال رسمي مع إميل إده، واستنكر فاروق ملك مصر اعتقال الرئيس بشارة الخوري.
لم يكن هدف لندن الانتصار لاستقلال لبنان، فهي سعت جاهدة لتأجيج الكراهية الإقليمية والدولية ضد فرنسا لإخراجها نهائيًا من لبنان وسوريا، بهدف بسط نفوذها الكامل على الشرق الأوسط وتسهيل تنفيذ وعد بلفور، وإقامة دولة إسرائيل.
في المقابل، سارعت ألمانيا في الدخول على خط الأزمة لتفجير الخلاف بين الحلفاء، إذ أعلن وزير خارجيتها تضامن الشعب الألماني مع النضال اللبناني لنيل الاستقلال، محذرًا لبنان في الوقت نفسه من الوقوع في «الخناق البريطاني».
محليًا، شهدت بيروت انعقاد مؤتمر وطني موسّع ضم مختلف شرائح المجتمع لدعم حكومة بشامون. ودخلت البلاد في صراع «الحكومتين»، إذ أصدرت حكومة إده أوّل مرسوم لها بتعيين فريد حبيب محافظًا للبنان الجنوبي؛ فردّت حكومة أبي شهلا فورًا بالمرسوم رقم (2) بتعيين الكولونيل فوزي طرابلسي قائدًا أعلى لقوى الأمن الداخلي.
وفي خضمّ حرب المراسيم، عقد مجلس النواب جلسة ثانية في منزل صائب سلام، أكّد فيها استمرار العمل بالدستور، ومنح الثقة لحكومة بشامون وقراراتها، وإبطال حكومة إميل إده ومراسيمها. غير أنّ الجلسة شهدت دراما سياسية عند صياغة المذكرة النيابية إذ تضمنت فقرة تتّهم إميل إده بـ «الخيانة». هنا اعترض النائب يوسف سالم قائلًا: «لا أقبل بأن أوقّع على المذكرة إذا بقيت فيها هذه العبارة، بل أطلب حذفها، إذ لا يجوز لأحد أن يدين رجلًا سياسيًا كبيرًا بهذه البساطة وهذه السرعة، قبل درس الدوافع التي حملته على العمل الذي أقدم عليه». وبعد نقاش، انضمت الأكثرية لموقف سالم وتقرّر حذف العبارة، ليوقّع على المذكرة 33 نائبًا، كان من بينهم كمال جنبلاط الذي انضم إلى «حكومة احتياطية» تشكّلت سرًا للحلول محل حكومة بشامون في حال اعتقال أعضائها من قبل الفرنسيين، وضمّت إلى جانبه كُلًّا من صائب سلام، وهنري فرعون، وحميد فرنجية، وغبريال المر.
تواصل هلّلو مع ألفرد نقاش للتوسّط لدى سامي الصلح للتدخل، لكن هذا الأخير رفض أي مساومة. عندها حاول هلّلو تشكيل حكومة برئاسة عمر الفاخوري (المحسوب على الحزب الشيوعي)، وعضوية كل من: جبرائيل المر، أحمد الحسيني، لويس زيادة، وموسى نمور. غير أنّ المر والفاخوري رفضا المشاركة.
13 تشرين الثاني
رفضت اللجنة الفرنسية استقالة إده وألزمته بالبقاء في منصبه. وفي قراءة ديغولية للأزمة، اعتبر الجنرال أنّ التدابير القاسية التي اتخذها هلّلو تجاوزت الحدود المسموح بها، لذلك قرّرت لجنة التحرير إيفاد كاترو لإعادة الوضع الدستوري عبر حكومة مقبولة منها. وإذا رفض الإنكليز، فيجب مغادرة لبنان نهائيًا. وعندما علم إده بإمكان انسحاب فرنسا كليًا أمام التعنت البريطاني، انتابه الهول والخشية على مصير البلاد، فشكّل ذلك دافعًا رئيسيًا له للبقاء في منصبه لتوقيع معاهدة دفاعية بين لبنان وفرنسا.
ولتحقيق هذه الغاية التشريعية والتنفيذية، أصدر إده المرسوم رقم (2) الذي نصّ على تشكيل مجلس حكومي يضم المديرين العامين للوزارات والمحافظين إضافةً إلى مراقب عام الدوائر الإدارية. وردًا على هذه الخطوة، شنّت حكومة بشامون هجومًا مضادًا عبر إطلاق ثلاثة بلاغات رسمية، دعت فيها جميع مأموري الدولة وموظفيها للتمرّد وعدم التعاون مع إده، وحذّرت «مصرف سوريا ولبنان» من دفع أي مبالغ من الخزينة لحكومة إده، وألزمت أمين صندوق الخزينة بعدم صرف أي شيك إلّا بأمر مباشر صادر عن حكومة بشامون.
14 تشرين الثاني
دخلت الحركة الوطنية مرحلة جديدة من التنسيق الميداني الصارم بعقد تحالف ميداني بين حزبي «النجادة» و«الكتائب» امتد حتى 21 تشرين الثاني، مقسّمًا المهام التنفيذية بدقة: تتولّى «الكتائب» تنظيم وإدارة التحركات في المناطق المسيحية، بينما تتكفل «النجادة» بتنظيم الشارع في المناطق الإسلامية. وأبلغت لندن لجنة التحرير الفرنسية بنيّتها إدخال قوّاتها إلى لبنان لإعادة الأمن والنظام وحلّ الأزمة بالقوة بخاصةٍ بعدما استشعر الإنكليز أنّ إده نجح في تشكيل حكومة وأصبحت لديه فرص حقيقية لإنجاز تسوية مع الفرنسيين لتوقيع المعاهدة الدفاعية اللبنانية – الفرنسية.
على جبهة الميدان الإعلامي، بلغت الحرب النفسية ذروتها إذ أعلنت معظم الصحف المحلية الإضراب تضامنًا مع المعتقلين، بينما أجبرت السلطات الفرنسية بقية الصحف على الاحتجاب. وسط هذا الحصار الإعلامي، نجح الثوّار في اختراق الجدار وحقّقوا سبقًا شعبيًا بإصدار صحيفة سريّة لا تحمل اسمًا، بل واجهة مدموغة بعلامة استفهام واحدة (؟)، أصبحت تُعرف بـ «جريدة علامة الاستفهام». أقبل المواطنون على شراء الجريدة السرية بشغفٍ، ما دفع المندوبية الفرنسية إلى اللجوء لمكيدة إعلامية إذ أقدمت على تزوير الجريدة وطباعة نسخة مطابقة تحمل العلامة ذاتها (؟) لتمرير دعايتها المضادة وتوجيه الرأي العام ضد الحركة الوطنية. غير أنّ القائمين على جريدة الاستفهام الأصلية فطنوا للخديعة سريًا، ونشروا تنبيهًا عاجلًا أعلنوا فيه اتخاذ علامة فارقة يفسح بها المجال للتفريق بين الأصل والمزوّر، ولا تستطيع المندوبية تقليدها: وضع علامتي استفهام متجاورتين (؟؟) وإرفاقهما بعبارة بخط عريض وحروف ضخمة: «ليسقط إميل إده».
15 تشرين الثاني
حاول إده امتصاص حالة الاحتقان الشديدة في الشارع والابتعاد عن تعقيدات المشهد السياسي، فأعلن عن هدف تشكيلته الحكومية وهي الإدارة وخدمة المواطنين. لكن الميدان لم يتلقّ هذه الرسالة الإيجابية إذ جاء الرد عبر محاولة اغتيال استهدفته عندما أطلق مجهول النار بكثافةٍ صوب منزله من دون أن يصيبه بضرر.
ووصلت طلائع فرق عسكرية بريطانية قادمة من فلسطين إلى داخل الأراضي اللبنانية، واحتجّ الملك عبد العزيز بن سعود على الإجراءات الفرنسية. وأدلى رئيس الحكومة السورية سعد الله الجابري بتصريحٍ اتّسم بالتحفظ والمواربة، محبّذًا إدارة القضية اللبنانية بالحكمة والروية. ويُرجّح أنّ هذا الحذر السوري يعود لواقع سوريا تحت الانتداب الفرنسي حيث كان الفرنسيون يتوقعون شرارة الانتفاضة الأولى ضد وجودهم من الداخل السوري وليس من اللبنانيين أصدقائهم التاريخيين.
وعقد مجلس النواب جلسةً بعد الظهر، وقرّر المجتمعون التصدي والتمسك بجميع حقوق البلاد، على قاعدة عودة الحياة الدستورية والإفراج عن الحكومة المعتقلة. وتلقّت حكومة إده ضربة إدارية قاضية من الداخل إذ أعلن أربعة مديرين عامين انشقاقهم ورفضهم القاطع للتعاون معه.
16 تشرين الثاني
فشلت القوات الفرنسية في اقتحام مقر حكومة بشامون بعد تصدي الحرس الوطني لها والحظر البريطاني للتحليق الجوي الفرنسي، وسقوط سعيد فخر الدين شهيدًا. في هذا الوقت وصل كاترو إلى بيروت واستهلّ اتصالاته بالاستماع إلى رأي الذين قاموا بفعلة 11 تشرين الثاني، وسرعان ما فهم أنّ نزعة العداء لبريطانيا كانت تستحوذ على أذهانهم مما أعمى بصائرهم وحجب عنهم رؤية واقع الأمور ومقتضياتها.
بعد الظهر، ذهب كاترو لمقابلة إده في السراي فوجدها شبه خالية. طلب إده من كاترو الإفراج عن المعتقلين فورًا، فأجابه بأنّ ذلك غير ممكن قبل استقصاء الحقائق من مختلف الأطراف اللبنانية. عندها عرض إده عليه نصّ المعاهدة التي أعدّها لما فيه مصلحة لبنان وفرنسا، لكنّ كاترو تجاهل الأمر.
وصلت أجواء هذا اللقاء إلى بعض النواب الذين تداعوا إلى عقد جلسة نيابية، وأصدروا بيانًا أعلنوا فيه بطلان أي مفاوضات أو معاهدات تجريها السلطات غير الدستورية قبل إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 10 تشرين الثاني.
17 تشرين الثاني
بلغت السخونة ذروتها في اللقاء المتوتر بين كاترو وسبيرس، إذ لوّح الأخير بتحريك القوات البريطانية التي وصلت فعليًا إلى شواطئ بيروت. ورغم هذا الضغط، تصاعدت أصوات داخل بريطانيا تنتقد انحياز حكومتها، مؤكّدة أنّ إجراءات فرنسا في لبنان لا تختلف عمّا فعلته لندن في الهند وبورما.
تحوّل إميل إده إلى «كبش محرقة» وفقد رصيده الشعبي والسياسي. في المقابل، أعلنت حكومة بشامون في بلاغها الأول التصدّي العسكري للفرنسيين، مجهضة محاولة كاترو للتفاوض، ومُصرّة على إطلاق سراح المعتقلين وإعادة الدستور. وهو الموقف ذاته الذي كرّره البرلمان اللبناني الملتئم في مدرسة الحكمة. وأمام هذا الصمود الوطني، اضطر كاترو لإرسال قائد الدرك سليمان نوفل إلى قلعة راشيا، لطلب لقاء الرئيس المعتقل بشارة الخوري في اليوم التالي، لتتجه الأزمة نحو فصلها الأخير.
18 تشرين الثاني
في مكانٍ ما ببيروت، عقد كاترو لقاءً سريًا مع الرئيس المحتجز بشارة الخوري. عرض كاترو تسويات ومقترحات تضمّنت الإفراج عن المعتقلين مقابل عودة الخوري ورئاسة حكومة جديدة، أو تقديم رياض الصلح اعتذارًا لفرنسا، والتراجع عن التعديلات الدستورية. اختلفت الرواية بين كاترو والخوري حول هذا اللقاء، إلّا أنّ النتيجة كانت رفض بشارة الخوري كليًا لهذه المقترحات، وتمسّك بشرعية حكومته.
أمام هذا الرفض القاطع، وإثر تنبيهات صريحة من البطريرك الماروني والمطارنة، أبرق كاترو إلى ديغول مشدّدًا على أنّ الحل الوحيد لتهدئة الشارع هو الإفراج عن المعتقلين أو على الأقل الإفراج عن بشارة الخوري مع حكومة جديدة، وإعادة الصلاحيات إلى المجلس النيابي وتمكينه من الاجتماع بعد بضعة أسابيع. وإذا لم يقبل بشارة الخوري بهذا الحل، فلا بدّ من العودة إلى الحالة الدستورية التي كانت قائمة قبل قرار هلّلو.
في اليوم نفسه، أوفد البطريرك، المطران بولس عقل إلى إده. وفي الساعة الخامسة مساءً، زار إده بكركي فجأة واجتمع بالبطريرك الماروني لساعة كاملة بعيدًا عن الإعلام، وسط ترجيحات ببحث تسوية شاملة. وشهدت العاصمة تظاهرة شعبية كبرى تقدّمها سامي الصلح نحو منزل رياض الصلح؛ وفي مفارقة لافتة، ظنّ قائد الفرقة العسكرية الفرنسية أنّ المسيرة يتقدّمها إده، فأمر جنوده بخفض السلاح ليمر الموكب بسلام وسط ذهول الحضور.
19 تشرين الثاني
جرى لقاء صباحي سرّي بين بشارة الخوري ورياض الصلح تمّ خلاله تبادل المعطيات وتوحيد الخطاب أمام كاترو، ما أفشل محاولات شق الصف. وفي الصباح أيضًا، عقد كاترو مؤتمرًا صحافيًا في قصر سرسق، حضره حوالى 20 مراسلًا عسكريًا، أعلن فيه التمسك بالاستقلال شرط توقيع معاهدة تحالف تحفظ حقوق فرنسا. ورغم إيفاده حاكم دمشق العسكري أوليفا روجيه إلى حكومة بشامون للاجتماع بها في عين عنوب للوساطة، رفض أبي شهلا الانتقال لبيروت، وشدّد على أن لا مفاوضات إلّا بعد إطلاق سراح المعتقلين وإلغاء إجراءات هلّلو. حاول كاترو الالتفاف على الحكومة الشرعية عبر عرض تشكيل حكومة جديدة برئاسة سامي الصلح وعضوية جميع رؤسائها السابقين، ليصبح بشارة الخوري مثل ملك بلا تاج، غير أنّ الصلح رفض العرض.
20 تشرين الثاني
خاض كاترو سباق حبس الأنفاس لتدارك هزيمة دبلوماسية مدوّية أمام بريطانيا والشارع اللبناني الغاضب،
فطالب اللجنة الفرنسية بإصدار قرار الإفراج عن المعتقلين مُقرًّا بأنّه لا مفر من العودة لما قبل 11 تشرين الثاني. كما أبرق للرئيس بشارة الخوري مُعلنًا نيّته الإفراج عنهم، وتواصل مع سامي الصلح للتدخل لدى رياض الصلح لتأمين حماية لإميل إده من أي انتقام، قائلًا إنّ ما حدث كان «مجرد تسرّع تورّط فيه الجميع».
21 تشرين الثاني
شهد هذا اليوم صراعًا بين تعنّت اللجنة الفرنسية ودبلوماسية كاترو. فلجنة التحرير الفرنسية أصرّت على أن يكون الحل «فرنسيًا – لبنانيًا» ضمن معاهدة، بخاصةٍ وأنّ الانتداب البريطاني على فلسطين ما يزال مستمرًا. لكنّ كاترو أدرك صعوبة توقيع المعاهدة، ورجّح المصلحة واعتذر عن عدم تطبيق تعليمات الجزائر، مخيّرًا قيادته بين قبول حلّه أو استقالته. ولقطع الطريق على إنذار بريطاني وعملية عسكرية كانت مجهّزة ليوم 22 تشرين الثاني، أعلن كاترو عبر «راديو الشرق» إعادة الرئيس بشارة الخوري ورياض الصلح ومجلس النواب إلى كامل وظائفهم الدستورية كما كانت قبل 11 تشرين الثاني. اضطرّت لجنة الجزائر للانصياع لاقتراح كاترو، مما جعل مصير إده واليوم التالي على المحكّ!
22 تشرين الثاني
كتب كاترو الفصل الأخير من أزمة راشيا ببرقية تمرّد تاريخية رافضًا تطبيق تعليمات ديغول، ومُقرّرًا إعطاء موافقته للشيخ بشارة الخوري لكي يعيد حكومته فورًا، قائلًا: «سيكون شعوري في ما أعمل بأنني أكون قد جنّبت خسارة قضيتنا وأعدت إلينا الرصيد الذي نتمتع به». وهكذا أُطلق سراح المعتقلين وأُعلن المولد الرسمي لاستقلال لبنان.
وقبل الظهر، أُفرج عن رجالات الاستقلال من قلعة راشيا. وتسلّم المندوب العام بالوكالة شاتينيو المهام بدلًا من هلّلو الذي عاد إلى الجزائر. ورُفع العلم اللبناني الجديد على السراي والبلدية ومراكز الشرطة، وتحوّل يوم 22 تشرين الثاني إلى العيد الوطني الرسمي للبنان بدلًا من الأول من أيلول. لقد تحقّق الاستقلال بتضافر إرادة اللبنانيين والدماء التي سُفكت، مع تقاطع المصالح البريطانية. وبقيت مسألتان عالقتان، وهما الحكومة والتعديل الدستوري.
24 تشرين الثاني
طُويت صفحة الأزمة رسميًا بقبول ديغول بالأمر الواقع، مدركًا أنّ الأولوية لباريس هي تحرير فرنسا من الاحتلال الألماني وإعادة بناء مكانتها الدولية. وجّه كاترو كتابًا إلى الرئيس بشارة الخوري يُعلمه فيه بإلغاء كل التحفّظات، مع الإعراب عن أمله بألّا يُنسى «التراث الأدبي والروحي» لفرنسا، متمنيًا إبرام معاهدة تحفظ لفرنسا مركزها الثقافي والتاريخي. بعدها، زار كاترو الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح في «السراي الصغير» لتهنئتهما وتسليمهما مقاليد الحكم رسميًا، حيث استأنفت الحكومة الدستورية أعمالها وسط احتفالات عارمة. في المقابل، قام الرئيسان الخوري والصلح بردّ الزيارة لكاترو، ثم زارا البطريرك الماروني، ومفتي الجمهورية، والمطران مبارك لتكريس الوحدة الوطنية وتوجيه الشكر للقيادات الروحية.
وانتقلت البلاد من مرحلة المواجهة مع سلطات الانتداب إلى مرحلة بناء الدولة وتثبيت أركان الاستقلال.


















