د. هيام كيروز

يحكم البرازيل، ضمن أميركا اللاتينية (حوالى 218 مليون نسمة، والتاسعة عالميًا على المستوى الاقتصادي)
لولا دا سيلڤا ابن الــ 87 عامًا، في ولاية ثالثة مدتها أربع سنوات بدأت العام الماضي. رجل مثير للفضول على أكثر من مستوى… وقبل هذه الولاية الثالثة التي هزم فيها جايير بولسونارو، كان وراء القضبان، محكومًا عليه بالسجن لاتّهامه بالتورّط في الفساد وتبييض الأموال.

خرج من السجن مرفوع الرأس وبشعبيّة واسعة إلى قصر Planalto الرئاسي، وهو يواجه في الولاية الثالثة مجموعة تحدّيات داخليّة وخارجيّة، أبرزها المواءمة في العلاقات بين القطب الصيني والشريك الأميركي، ولذلك يسعى جاهدًا إلى الإمساك بالعصا من الوسط وتدوير الزوايا بين العملاقين الدوليين صونًا لمصالح بلاده.

يتحدّر لولا دا سيلڤا من عائلة فقيرة مؤلّفة من 8 إخوة وأخوات (هو سابعهم)، في شمال – شرق البرازيل. انفصل والداه باكرًا، ما اضطرّه إلى العمل كماسح أحذية وبائع فول سوداني، ثم ميكانيكي وعامل تعدين. وبفضل أخيه غير الشقيق، تعرّف إلى الحزب الشيوعي البرازيلي، لكنّه لم ينتمِ إليه. وآثر الانخراط في الحياة النقابيّة، وشكّل حزب العمّال (PT- Partido dos Trabalhadores) الذي كان قاعدة الوثوب إلى الدوائر السياسيّة العليا.

بدا في وقت من أوقات الروزنامة البرازيليّة متسارعة الاستحقاقات أنّ عودة الرئيس لولا دا سيلڤا Luiz Inácio Lula da Silva إلى الحكم في ولاية ثالثة (الأولى والثانية تواصلتا بين 2003 و2011، والثالثة بدأت في الأول من كانون الثاني 2023)، رهان شبه مستحيل بعد إنزال عقوبة السجن به لمدّة تسع سنوات في العام 2018 باتهامات الفساد وفضائح الزبائنيّة. وبعد 500 يوم وراء القضبان، تمّت تبرئته على يد المحكمة الفدراليّة العليا. وترشّح لانتخابات 2022 الرئاسية ففاز بفارق مليوني صوت على منافسه اليميني Jair Bolsonaro.

وأسفرت النتيجة عن انقسام عمودي بين أتباع النقابي اليساري لولا دا سيلڤا الذي ضمّت قاعدته الشعبيّة العمّال والفقراء والمهمّشين، وأنصار البولسونارية، وهي نزعة أيديولوجيّة يمينيّة متشدِّدة. هذا الانشطار لم يبقَ فقط في الإطار السياسي، بل تجاوزه إلى المشاريع والرؤى والاستثمار والعلاقات الإقليمية والدولية. وفيما ركّز الرئيس العائد على كل ما هو اجتماعي وبيئي، شدّد المعسكر الآخر على كل ما هو ليبرالي ومحافظ وذو طابع أمني، وإن كان الجميع يرنون إلى «البرازيل الكبرى والقويّة» ذات الوزن الراجح فوق رقعة الشطرنج الدولية.

طريق طويل وصعب

ينطلق الرئيس العائد إلى الولاية الثالثة من موقع ضعيف في المعادلة الداخليّة، فقاعدته التي يتكئ إليها في مواجهة خصومه واللوبيات الراسخة النفوذ في النسيج السياسي – الاجتماعي – الاقتصادي، تتشكّل من الطبقات الأكثر فقرًا، والتي لا بدّ من انتشالها من هاوية الأوضاع المدقعة. ولهذا تبلورت أولوية الميكانيكي السابق الذي أمضى شبابه وجزءًا من كهولته وهو يرتدي البزّة الزرقاء كعاملٍ في مرائب إصلاح السيارات المتهالكة والمتآكلة، في مشروع النهوض والترقّي الاجتماعي. والطريق إلى هذا الهدف طويل وشاق خصوصًا أنّ البرازيل ذات الموارد الطبيعية المتنوّعة والفريدة، مثل غابات الأمازون وما تختزنه من طاقات تحت الأرض وفوقها، مقرونة بالتنوّع الحيوي والاستدامة، تشهد انفجارًا لا سابق له للفقر والهشاشة الاقتصاديّة – الاجتماعيّة. وهو يتطلّع إلى اجتذاب الطبقات الوسطى إلى مداراته الإصلاحية فضلًا عن تحفيز قدرات اقتصاد التصدير نحو «الرفيق الصيني» المتلهّف إلى السلع والمواد الأوليّة والمعادن على أنواعها، ونسج الشراكات مع الأميركيين والأوروبيين. ولهذا السبب بادر إلى تكليف وزير ماليّته، اللبناني الأصل، باولو سكاف، وهو اقتصادي لامع في برازيليا (العاصمة السياسية) وساو باولو (العاصمة المالية التي تضم 20 مليون نسمة)، ومرشّح حزب العمّال الذي أسّسه وقاده الرئيس دا سيلڤا (PT – Parti des Travailleurs) لرئاسيات 2018، إعداد خطّة متكاملة تعتمد الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية، وإعادة بناء القطاع الصناعي وإنعاش الزراعة من خلال ضخّ التقديمات والسلفات المالية للمزارعين.

التعامل مع عملاق له قدمان من خزف!

هل يعمل على حفر الجبل بالإبرة؟ بناءً على ولايتين سابقتين له في الحكم (8 سنوات) واختبار الممكن والمستحيل في حكم الدولة البرازيليّة، يحاذر دا سيلڤا الثالث إجراء إصلاحات في بنية الهيكلية البيروقراطية لبلاده. لذلك يُؤْثر تقنية «اللمسات الناعمة» و«الخطوات الصغيرة» حقنًا للخضّات والاهتزازات الاجتماعيّة ذات الارتدادات الصادمة. لكنّه لم يتردّد في فتح الورشة الإصلاحيّة لأنّ البرازيل «جسم عملاق مريض له قدمان من خزف»، بحسب قول الفرنسي Yves Lacoste الذي خصّ هذا البلد الأميركي اللاتيني بدراسات نوعية. وقد شكّل دا سليفا فريقًا من الكوادر الاختصاصية من حزب العمّال الذي يتزعّمه، مهمّته الأولى والأساسيّة الانكباب على أربعة ملفّات ضاغطة ومعالجتها. وهي: التباينات والتفاوتات الاجتماعيّة التي تُعدّ بمنزلة قنبلة موقوتة، التعدّي على غابات الأمازون وقطع أشجارها المعمّرة على يد مافيات الخشب، والعنصريّة التي ألهب أوارها النظام اليميني الراديكالي، والعنف المستشري في أرجاء الجمهورية الفدراليّة التي تشهد كل عام أرقامًا مخيفة من الاغتيالات والتصفيات. ويمكن القول إنّ ولايتَي لولا دا سيلڤا بين 2003 و2011 شهدتا عديدًا من الخطط والتدابير لقطع دابر الجريمة، لكنّها تحوّلت إلى كابوس بعدما تبيّن أنّ مفاعيلها سرابية، خصوصًا خلال ولاية حليفته Dilma Roussef التي حكمت البرازيل بين 2011 و2016. فهل تصحّح الولاية الثالثة مسار الرماية وتصيب الهدف؟ أم أنّ استتباب النظام العام واجتثاث الآفات والويلات الاجتماعيّة يبقى بمنزلة اليوتوبيا أو الحلم المستحيل في أكبر ديمقراطية في أميركا اللاتينيّة؟

نهوض اقتصادي

يروي المحاضر في القضايا الجيوبوليتيكيّة البرازيليّة Hervé Théry، وهو فرنسي مقيم في ساو باولو منذ 40 عامًا، أنّه في خريف 1964، وخلال جولة في أميركا اللاتينيّة دامت 26 يومًا، أطلق الجنرال ديغول إحدى عباراته الشهيرة: «إنّ البرازيل دولة المستقبل، وسوف تبقى كذلك»… وعودة دا سيلڤا إلى رئاسة الجمهورية الفدرالية العملاقة، وهو الآتي مباشرةً من الزنزانة، تأكيد على مصيرها الذي هو صيرورة دائمة ومفتوحة. كما أنّ تداعيات الصراع السياسي الانتخابي بين أقصى اليسار النقابي المؤطّر وأقصى اليمين المتشدّد، علامات تشير إلى أنّ البرازيل لا تخرج من الهاوية التي وقعت فيها بقدر ما تنوء بأثقالها وأهوالها. فهذا البلد صاحب الجاذبية الخاصة، الذي يختزن عدّة مزايا ومميّزات، يبدو كطرازٍ آخر من الصين. إنّه الوحيد الذي يتكلّم شعبه البرتغاليّة وسط 33 بلدًا تتشكّل منها أميركا اللاتينيّة والحوض الكاريبي… وتضمّ نحو 600 مليون نسمة ناطقة بأغلبيتها الساحقة باللغة الإسبانية. هذا التمايز اللغوي انسحب على الطبيعة التي تزخر بأهم تنوّع بيولوجي وأيكولوجي في العالم، وبثرواتٍ مدهشة في باطن أرضها من معادن وهيدروكوبير وكوبالت يحسدها العالم عليها. لكنّ المعضلة قائمة على سطح أرض الفدرالية. فهناك مرارة اجتماعية وقلق جماعي يُعبّران عن مأزق وجودي غائر في الشخصية البرازيلية. وحمم هذا المأزق هي إمّا عمليات واسعة لانتهاك القانون أو هرب إلى التديّن. ويعزو الاختصاصي Théry هذا التأرجح البرازيلي إلى الرغبة في حمل الحجرين بيد واحدة: النهوض الاقتصادي وتعميم الديمقراطية، ما اضطرّ برازيليا إلى ركوب كل المخاطر دفعة واحدة.

التَّرِكة الثقيلة ومسار التوافق والتسويات

ينقر الرئيس البرازيلي بقوّةٍ وفاعليّة على أوتار الرمزية الوطنية لاجتذاب مؤيّدين من خارج حلقات اليسار. لكن وراء هذه الواجهة المتفائلة، يبدو الواقع، وكذلك الوقائع، أكثر تجهّمًا ورماديّة. ذلك أنّ لولا دا سيلڤا يرث جمهورية مفكّكة الأوصال، مبعثرة عرقيًا وإتنيًا وطبقيًا، ويسعى جاهدًا إلى إعادة اللحمة إلى الموزاييك الوطني.

هل خطّط الرئيس العائد إلى قصر Planalto لاقتفاء خطى سلفه صانع البرازيل الحديثة Getulio Vargas، وإطلاق إصلاحات بنيوية في جسم الدولة المتهالك الذي تحوّل إلى عبء ووزر بدلًا من أن يكون مصدرًا للإنتاج ذا ديناميّة خاصة في وجه التحدّيات؟ هذا السؤال الساخن يجيب عنه عدد من الخبراء والاختصاصيين في الحالة البرازيليّة واللاتينيّة بشكلٍ عام. ويُشكّك بعضهم في استعداد دا سيلڤا لإجراء عمليّات جراحيّة عميقة وشاملة لاستئصال الأورام الخبيثة. ذلك أنّ موقعه هش، فهو لم يحصد في اقتراع 2022 إلّا 50.9% من الأصوات، وثمة معارضون له في كل مؤسسات الحكم، فضلًا عن اللوبيات ومراكز النفوذ، كما أنّ صراعات عنيفة تعمل بصوتٍ خفيض بين وزراء حكومته الـ37. وهو إلى ذلك رجل التسويات والقوّة الناعمة أكثر منه اقتحاميّ أو صداميّ. وهنا يقول الباحث Bruno Meyerfeld من ريو دي جانيرو في صحيفة لوموند الفرنسيّة (17-01-2023) إنّ السعي إلى الحالة التوافقيّة هو ADN أو البصمة الجينيّة لهذا النقابي الذي حكم بلاده بين 2003 و2011 في وسط اليسار. أي إنّه أدار اللعبة بانفتاح وسلاسة بعيدَين عن التشنّج. ولذلك يرى الخبراء أنفسهم أنّ عودته الثالثة التي جرت في جوّ من الرعب والذعر تشي بأنّها لن تكون إلّا ولاية لتثبيت الأوضاع ومحاذرة أي انهيارات في المؤسّسات، أكثر من كونها حاضنة لمشاريع اجتماعيّة كبرى وإصلاحات بنيويّة في العمق.

إطفائي الخلافات وناظم العقد الاجتماعي

يسلك لولا دا سيلڤا خطط التفاوض سعيًا إلى صوغ التوافقات بشكلٍ منهجي ومتواصل. ففي الكونغرس حيث يُسيطر اليمين المؤسسي والمتطرّف، المعارضة شبه دائمة والإصلاحات مرفوضة، في وقت يحتاج الاقتصاد إلى النموّ، وإلى توزيع عوائده. وللتذكير، فإنّ الاقتصاد في العام 2010، أي في نهايات الولاية الثانية التي دامت حتى العام 2011، كان في حالة ازدهار. وتبوّأت البرازيل تبعًا لذلك، موقعًا متقدّمًا في صفّ القوى العالميّة الأكثر تطوّرًا والطبقة الوسطى توسّعت بدورها. ولامست شعبية لولا مستوى رفيعًا قُدِّر يومها بــ 87% لكن هذا الوضع تراجع دراماتيكيًّا في العام 2015. وسيطرت حالة من الانكماش والركود. وتقلّص الناتج الوطني الخام (BIP). وفي التصنيفات العالمية، تحتل البرازيل المرتبة الثانية عشرة في القائمة الدولية الاقتصادية، والمرتبة الثمانين على مستوى العائد لكل مواطن. أكثر من ذلك، اضطرّ الرئيس لترضية مختلف المكوّنات السياسية، وشكّل حكومة فضفاضة من 37 وزيرًا من دون أن يحدّد مدار الصلاحيات والاختصاصات. وخصّ القطاع الزراعي بأربع حقائب، فيما لم يحظَ القطاع نفسه، زمن جايير بولسونارو إلّا بحقيبة واحدة. ولا شك أنّ المسألة الزراعية ترتدي أهميّة خاصة في البرازيل لأنّها تُمثّل 25% من الناتج الوطني العام. وهي رافعة نمو أساسيّة إذ تشمل الزراعة العائليّة 4 ملايين ملكية تُزوّد البرازيليين أساسيات سلّة غذائهم. ووفق معطيات صادرة عن منظّمة الأغذية والزراعة للأمم المتّحدة (FAO)، فإنّ الزراعة في برازيليا تُمثّل قطاع التجارة الخضراء الأكثر رواجًا، واستقطابًا للاستثمارات، ومواءمة لمعايير العولمة. توازيًا، فإنّ وزارة التنمية الزراعيّة التي يديرها أحد أعضاء حزب العمّال الذي يتزعّمه لولا دا سيلڤا، أطلق عمليات فرز الأراضي ضمن برنامج إصلاحي زراعي وحوار مع الحركات الاجتماعيّة مثل حركة Sans-terre (بلا أرض) التي تكافح ضدّ التجارة الخضراء، وهو النموذج المستلهم من أميركا الشمالية. وتروِّج للتعاون مع الصين واستنساخ برامج إصلاحاتها الزراعية حيث دعم الشركات الريفيّة أولويّة حاسمة. وهذا يعني أنّ هذه الحركة تطرح مسألة الاستئثار بالأراضي. وتطالب بحماية البيئة مع اصطفاف في الخط الصيني، الأمر الذي يُطلق شرارات صِدام اجتماعي مع المالكين الكبار. ولهذا لا تهدأ حركة لولا الثالث خوفًا من نشوب صراعات سياسية واجتماعية، لأنّ الصراع الطبقي في ذروته.

حوكمة الشركات العمومية

بين الوزارات الأساسيّة الأخرى، تبرز وزارة المعادن والطاقة المكلّفة بالتحوّلات الطاقويّة، وسياسة الأسعار وحوكمة الشركات العموميّة، مثل شركة Eletrobras، الأولى في إنتاج الكهرباء في أميركا اللاتينيّة، أو Petrobras النفطيّة. وبات معروفًا أنّ لولا دا سيلڤا يرفض تخصيص هذه الشركات الاستراتيجيّة، وهو يقول: «يجب وقف بيع تراث الأمة». وقد كشف في مهرجان نقابي في مدينة Porto Alegre، قبل أشهر ثلاثة أنّ الحقول النفطيّة في المياه العميقة تنتج يوميًّا 2.2 مليون برميل نفط تكفي لسدّ حاجات البرازيل، وتضمن اكتفاءً ذاتيًّا فضلًا عن التصدير، علمًا أنّ استخراج الذهب الأسود من باطن المحيط الأطلسي استلزم استثمارات كبيرة. ووعدت حكومته بضخ مساعدات لولايات البلاد الــ 26، كما إلى مجالسها البلديّة لحفظ الأمن وضمان السلامة العامة ومكافحة الجريمة المنظّمة وسيادة القانون في الضواحي.

علاقات صعبة مع المؤسّسة العسكريّة

مشكلة الرئيس البرازيلي الكبرى تتمثّل في علاقات إشكاليّة مع المؤسّسة العسكريّة، محورها الارتياب والخوف من حركات انقلابية. ترتبط هذه الإشكاليّة بمفهومٍ أيديولوجي لدى اليسار اللاتيني المنضوي تحت مظلّة «اشتراكيّة القرن الجديد». وتعود جذوره إلى تشي غيفارا، وهوغو شافيز في ڤنزويلا وقد خلفه نيكولاس مادورو موروس، وغابرييل بوريك في تشيلي، ودانيال أورتيغا في نيكاراغوا وأيڤو موراليس في بوليڤيا… وغيرهم. ويرى هؤلاء في الخوذة العسكريّة خصمًا لا بدّ من ترويضه وإضعافه. ولم يَشِذّ لولا دا سيلڤا عن هذه القاعدة. غير أنّ موقعه لا يسمح له بمنازلة الجيش الذي عزّزه ودلّله سلفه جايير بولسونارو، لذلك اكتفى بإبعاد مجموعة يتوجّس من مخطّطاتها ضد نظام حكمه، وحافظ على علاقته مع المؤسّسة العسكرية، صونًا لنظامه وحقنًا للخلافات.

الغابة الأمازونية… رئة العالم

تتميّز البرازيل بثرواتها من الوقود الحيوي والكهرومائيات، أي الطاقة الكهربائيّة الموَلَّدة من المياه. وقد آل الرئيس على نفسه أن يبذل جهدًا خارقًا في العمل على مختلف جبهات الاستدامة، كما وعد خلال رئاسة لمجموعة الدول العشرين (G20) ذات الاقتصادات الأكثر تطوّرًا في العالم، خلال العام 2024. ويتمثّل «جهده»، أولًا، في مكافحة الحرائق التي هي نقطة سوداء في سجلّ الغابات البرازيلية المنبسطة بانوراميًا على مدى البصر. وهدفه الطموح وضع حد لقطْع أشجار باسقة ومعمّرة في المساحة الأمازونية العملاقة، والوصول إلى «صفر» قطع للغابات والأحراج في العام 2030 كحدٍّ أقصى. تخوّل هذه المعركة برازيليا الحصول على مساعدات ماليّة دولية. تمتد غابات الأمازون العملاقة والأكثر تنوّعًا حيويًّا في العالم على أكثر من 6.7 ملايين كيلومتر مربع في 9 دول أميركية جنوبية، وتضم ما يقدّر بنحو 390 مليار شجرة، و40 ألف نوع من النباتات، و2.5 مليون من أنواع الحشرات، وأكثر من ألفي نوع من الطيور والثديات. والأهم من هذا التعداد، وإن كان مثيرًا «للذهول»، هو أنّ الغابات الأمازونيّة تؤدي دورًا حيويًّا في تنظيم مناخ الكرة الأرضيّة والحفاظ على التنوّع البيولوجي العالمي وتوفير خدمات النُظم البيئيّة الأساسيّة للبشر. وقد اعترفت السلطات البرازيليّة بالحقوق القانونيّة للسكان الأصليين في 5 أقاليم فقط في منطقة الأمازون، وهذا ما يدفعهم إلى صيانة الغابات والحيلولة دون اندلاع حرائق، وإعادة تشجير المناطق القاحلة فيها. لكل هذه الاعتبارات، يتطلّع الرئيس لولا إلى أداء دور اللاعب الأساسي في الحقل البيئي – الاجتماعي والتموضع كمرجعية لاتينيّة وعالمية في مجال الدفاع عن التنوّع البيولوجي – الحيوي، فضلًا عن حقوق الشعوب الأصليّة وروّاد الاستكشاف لموارد ما تحت الأرض. وهو يستند إلى إيجابيات تحقّقت في ولايتَيه السابقتين، منها إنشاء وزارة للشعوب الأصلية. وسوف تنظّم البرازيل قمّة المناخ في العام 2025 وهذه مرحلة جديدة من الحوكمة البيئيّة الواعدة تطل برأسها انطلاقًا من برازيليا. فهل هذا يعني أنّ الرئيس اليساري وضع نفسه على طريق رأسماليّة خضراء، محرِّكها الأساسي هو التكنولوجيا الحيويّة؟

العلاقات مع الصين

ترتيب البيت الداخلي لا يحجب اهتمام الرئيس لولا دا سيلڤا عن صوغ معادلات سياسية خارجيّة متماسكة، سواء في دول الجوار اللاتيني المباشر أو في المحيط البعيد، وللاقتصاد أوليّة في هذا الحيّز المتعدّد الأقطاب. ثم يأتي دور التحالفات السياسيّة، كما هو الحال مع مجموعة UNASUR، أي اتّحاد أمم أميركا الجنوبيّة، ومع مجموعة BRICS، أي الدول الكبرى الصاعدة، وهي الصين، البرازيل، روسيا، الهند وأفريقيا الجنوبيّة منذ 2011. وسعى لولا باستمرار للعثور على نقطة توازن وسطى بين الكتل. وبدا الأمر أشبه بتربيع الدائرة. فهو من جهة، أراد الحفاظ على تحالف دول بريكس، مانحًا الأفضليّة لعلاقاته مع المارد الأصفر ورافضًا أن يدين الغزو الروسي لأجزاء من أوكرانيا. وهذا تمايز استراتيجي الأبعاد ينعطف بالمعادلة السياسية البرازيليّة نحو الصين – روسيا. هذا الانحياز يُدوّر زواياه دا سيلڤا بشكل لا يؤثّر في شراكته مع الولايات المتّحدة الأميركية، ولا في دور بلاده كزعيمة أميركا الجنوبية في الدفاع عن عالم الغرب. ومع ذلك، فإن زيارته الأولى في الولاية الثالثة إلى واشنطن، في 10 شباط 2023 كانت مخيّبة لآماله، إذ إنّه لم يحصل على أي دعم مالي راهن عليه، وأمطره البرلمانيون الأميركيون بسيل من الأسئلة حول تقاربه مع الصين. وفي 12 نيسان 2023، زار بكين على رأس وفد كبير من رجال الأعمال بهدف التوقيع على اتّفاقيات تجاريّة وتكنولوجية وعلمية، تشمل بشكل خاص شبكة 5G للهواتف الجوّالة التي حلّت مكان الجيل الرابع 4G . وكان طموح لولا دا سيلڤا أن تُسهم هذه الاتفاقيات في الارتقاء بالبرازيل في معارج التنافسية الدولية. وفي المجال الفضائي، سعى بقوّةٍ للبقاء على علاقات جيّدة مع الولايات المتّحدة، من دون الافتراق عن المارد الصيني الذي منحه عقد إيجار لقاعدة إطلاق الصواريخ البالستيّة والمراكب الفضائيّة في Alcantara، في ولاية Maranhao شمالي البرازيل، على المحيط الأطلسي، في مقابل الحصول على التّقنيات الفضائية. وكانت المؤسّسة الصينيّة State Grid سبّاقة إلى الاستثمار في بناء خطوط نقل كهربائيّة في طول البرازيل وعرضها. في المقابل، استوعبت الأسواق الصينيّة ثلث صادرات برازيليا، وبهذه الطريقة، تحوّلت بكين إلى الشريك التجاري الأول للبرازيل. وبفضل هذا التبادل، عزّزت العاصمة البرازيليّة طرق المواصلات، وطوّرت السلع المعَدّة للتصدير وحقّقت تقدّمًا في قطاعات التكنولوجيا الرقمية.

نقطة توازن

إلى أي حدّ أثّر التقارب البرازيلي – الصيني في ديناميات التعاون بين برازيليا وواشنطن؟ اللافت أنّه في ثوابت سياسة برازيليا الخارجيّة، ومنذ منتصف القرن الماضي، جنوح واضح نحو العالم الثالث، ومنافسة النهج الأميركي على المستوى العالمي. هذا المسار تبلور من دون أي التباس مع الرئيس لولا دا سيلڤا وحليفته Dilma Roussef التي حكمت بين 2011 و2016، وحصل الخروج عليه مع الرئيس جايير بولسونارو (2019 – 2022). ومع أنّ دا سيلفا عمل من تحت الطاولة، ومن فوقها أيضًا، على حصار المصالح الأميركيّة في طول أميركا الجنوبيّة وعرضها، وتصدّى في العام 2005 لخطّة أميركيّة تتمثّل في إقامة منطقة تجارة حرّة للأميركيتين الشماليّة والجنوبيّة، فقد بدا أنّه في تعرّجات ولايته الثالثة قد أعاد النظر في قناعاته الأيديولوجية وخياراته لينحو في اتّجاه البراغماتية السياسيّة. فمن الصعب معاداة أميركا طوال الوقت. لذلك، اختار نقطة توازن وسطى بين العم سام والمارد الأصفر. والسؤال: هل يستطيع الحفاظ على هذه الوضعيّة الدقيقة؟ الخبراء يجيبون بأنّ ذلك ممكن في فترات النموّ؛ أما في أوقات الركود الاقتصادي والتوتّرات الجيوبوليتيكية، فإنّ مشتريات الصين تطرح أسئلة، وإذا كان اللوبي الصيني قويًّا في برازيليا، فإنّ الاصطفاف خلف بكين ينطوي على مجازفة. ذلك أنّ مجمل المرجعيات الثقافيّة والاقتصاديّة للبرازيل هي أميركية شمالية.

­أب الفقراء…

يُلقِّبه فقراء المدن والضواحي بــ ”الرجل المعجزة“ على الرغم من أنّه لا يحمل أي شهادة عليا. ولم يحاضر يومًا لا في اقتصاد المعرفة، ولا في التّقنيات الرقميّة، ولم يلتحق أبدًا بأي جامعة أو كلية دراسات متخصّصة.
مارس أعمالًا متواضعة، مثل مسح الأحذية، وبيع الفول السوداني وإيصال ملابس من محلات الكيّ بالبخار والتنظيف، ودخل إلى مخرطة حديد كعاملٍ مبتدئ، حيث فقد إحدى أصابع يده.
أظهر باكرًا مواهب الخطابة والتفاوض بكاريزماتية لافتة، وقد جذب العمّال والنقابيين، ما أثار توجّس سلطات الحكم العسكري منه، فكانت تزجّه في السجن من وقت إلى آخر. قاد أكبر الإضرابات العمّالية في المنطقة الصناعية في ساو باولو. ومع الوقت، انعطف لولا نحو الواقعية السياسية، محاولًا صوغ مساحات تقارب بين المختلفين. وتعزّزت شعبيته وكسب 3 ولايات حكم، وهو أمر استثنائي نادر. لكنّه في كل المواقع والمواقف، بقي أب الفقراء.

المراجع
Hérodote, revue de Géographie et de Géopolitique – 2ème trimestre 2021- N°.181.
Dolo N. et Racouchot B → Brésil : Corruption, trafic, violence, criminalité = vers la fin du cauchemar ? Paris, ESKA, 2019.
Mello – Théry N.A. → Politiques environnementales brésiliennes : intentions et réalités EchoGéo, vol 41 Paris – 2017.
Neto T.O. → Les routes amazoniennes : un débat géopolitique, Outre-Terre, vol 56, 2019.
Oliviera M. → Brasilia entre le mythe et la nation, l’Harmattan, Paris – 2014.
« Mon cher Lula- Lettres à un président en détention »- Anamosa – 2022.
Ramses 2024 – Sous la direction de Thierry de Montbrial et Dominique David : un monde à refaire – Dunod – Paris.
Le Bilan du Monde – Édition 2024 – Société éditrice du journal le Monde.