كان تطوير المؤسسة لمواكبة الحداثة في مجالات مختلفة من بين أبرز الأهداف التي وضعها العماد عون عنوانًا لمسيرته في قيادة الجيش. لكن كيف يمكن تحقيق هذا الهدف في فترة وصل فيها الشح إلى حد عدم توافر قطع البدل لمساعفة الآليات وعدم توافر اللحوم في وجبات العسكريين، بينما الأزمات تكبر وتتوالد كل يوم.

في الزمن الصعب، باتت الأولوية للصمود بانتظار أن ينفرج الأفق المسدود وتلوح فيه معالم الحلول. وهذا ما حصل بالفعل إذ استطاعت المؤسسة العسكرية أن تحافظ على صمودها في مواجهة التحديات والمعوقات وجبال المهمات. وبذلك تمكّنت رغم كل شيء من حماية الاستقرار الهش المترنح تحت وطأة انقسام سياسي وتدهور اقتصادي، وأنقذت البلد من مفاعيل الفتنة في أكثر من زمان ومكان.

لكن من الظلم عدم الإشارة إلى عشرات الخطوات التي تقدمت من خلالها المؤسسة إلى الأمام مستندة إلى عاملين أساسيين: الإصرار على التطور أيًا كانت الظروف، واستثمار المساعدات على النحو الأفضل معقودة على توظيف القدرات والمهارات التي يمتلكها الجيش.

هكذا أمكن تطوير الطبابة وتوسيع مبانيها لتستوعب مزيدًا من الأقسام والأسرّة ولتستطيع تقديم أفضل الخدمات، فضلًا عن تعزيز المستوصفات العسكرية وإنشاء المزيد منها كما في رأس بعلبك وجزين وغيرهما.

على صعيد منشآت الجيش تمّ ترميم العديد منها، وأُضيفت إليها أخرى إذ انطلقت عدة مشاريع لبناء مزيد من الثكنات والمراكز والأقسام في مبانٍ كانت موجودة أصلًا، وتندرج في هذا السياق عدة قاعات للمحاضرات ومراكز للتدريب، ومركز لمعالجة النفايات الطبية.

من جهة أخرى، تمّ التركيز على بناء القدرات البشرية من خلال تفعيل التدريب والتعليم باستخدام الوسائل الحديثة وبالاستناد إلى التيارات المعاصرة في التعليم. وهذا ما انعكس بوضوح على كفاءة عسكريي الجيش اللبناني الذين يحققون نتائج باهرة في الدورات التي يتابعونها خارج لبنان، ويحصدون الإشادة تلو الأخرى من مدربيهم الأجانب المعتمدين لدى الجيش، وكذلك الأمر حين يشاركون في تمارين مشتركة مع جيوش أخرى.

وفي خطوة مكمّلة جرى توقيع اتفاقيات تعاون مع الجامعات في لبنان ما أتاح من جهة لمزيد من العسكريين متابعة تعليمهم العالي بكلفةٍ معقولة، وأدى من جهة أخرى إلى تبادل الخبرات وتعزيز التواصل بين المجتمع العسكري والمجتمع المدني على مستوى النخب.

واحد من أوجه الحداثة في الجيش هو ذلك الذي تعرّف إليه اللبنانيون في السنوات الأخيرة مع تعزيز دور المرأة في صفوفه. فالتجربة التي بدأت في العام 1989 جرى تفعيلها مجددًا كمًّا ونوعًا. فقد طوّع الجيش عددًا لا بأس به من الإناث اللواتي تم تدريبهن وتوظيفهن في اختصاصات متعددة تجاوزت الإدارة واللوجستية والطبابة. أمّا الخطوة الأهم فتمثلت بتطويع تلامذة ضباط إناث تخرجت الدفعة الأولى منهن في العام 2022 والثانية في العام الذي أعقبه. وكان عدد الإناث في الدورتين مماثلًا تقريبًا لعدد الذكور. أكثر من ذلك، شكلت الأنثى طليعة الدورة في الدفعتين مع العلم أنّ الاختصاصات التي توجهت إليها الإناث شملت مجالات تخوضها اللبنانيات للمرة الأولى في تاريخ لبنان. فمن قيادة الطائرة الحربية إلى صيانتها، ومن المدفعية إلى الاستطلاع وسوى ذلك، ما جعل المرأة اللبنانية شريكًا كاملًا للرجل في الدفاع عن الوطن. والحق يُقال إنّ الإناث أثبتن جدارة عالية خلال التدريب وفي ميادين الخدمة المختلفة.

لاقت هذه التجربة ترحيبًا كبيرًا في الداخل والخارج، وخصوصًا على مستوى الأمم المتحدة التي اعتبرت أنّ هذه الخطوة تأتي في إطار جهود لبنان لتطبيق قرارها الذي يحمل الرقم 1325 ويتعلّق بمشاركة المرأة في تحقيق السلام وإرساء الأمن.