في مواجهة الضغوط التي تعرّضت لها المؤسسة إن بسبب الأوضاع التي ألقت على كاهلها أثقالًا من المسؤوليات والمهمات، أو بسبب شح الموازنة والإمكانات، كان على القيادة أن تجد سبلًا لتعزيز صمود العسكريين معنويًا وماديًا. فهي تُدرك ما الذي يترتب على انهيار الجيش وعجزه عن تحمّل مسؤولياته الوطنية في مرحلة مصيرية من تاريخ لبنان.

في الشق المعنوي استند عمل القيادة إلى إرث الجيش في المناقبية والانضباط والقدرة على تحمّل الضغوط ومواجهة الصعوبات. انطلقت من هذا الإرث وعملت على تعزيزه وترسيخه يوميًا. في «أمر اليوم» الأول الذي وجّهه العماد جوزاف عون إلى العسكريين كان التشديد واضحًا على البعد القيمي في الحياة العسكرية: «حافظوا على القيم والمبادئ والمكتسبات فهي الخبز الذي به يحيا الجيش، والأمل الذي به يستمر لبنان». تلك كانت الرسالة الأولى والتي ظل قائد الجيش يوجهها بشكلٍ شبه يومي، وكأنّها تعليمات على صفر (دائمة) يتم التذكير بها عبر «أمر اليوم» أو خلال الجولات الميدانية والاجتماعات الدورية والاستثنائية مع كبار الضباط.

وقد تعززت هذه الرسالة من خلال التشديد على الإيمان بلبنان وبالمؤسسة وبقدسية المهمة التي يتولاها الجيش، «مرحلة وتمرّ» كان يقول لهم: «غيمة وتزول، نفق مظلم لكن في آخره لا بد أن يسطع الضوء، المهم أن تصبروا، أن تحافظوا على رباطة جأشكم، من أجل لبنان الذي يعتبركم عموده الفقري وخشبة خلاصه. من أجل مستقبل أولادكم ووفاءً لقَسَمكم، لدماء رفاقكم الأبطال، ولعرق كثير بُذل لحماية هذا الوطن».

كانت كلماته محفزًا على الصبر والأمل، وكان قربه الدائم منهم عاملًا أساسيًا أسهم في صمودهم. لم يكتفِ بالتوجيهات التي يعطيها للضباط: «ديروا بالكم على عسكركم، اسمعوهم، ساعدوهم في حل مشاكلهم…» كان يدخل في تفاصيل التفاصيل في لقاءاته مع العسكريين، وكانت كلمات من نوع: أنا أفتخر بكم، أثق بكم، أنتم على قدر التحدي والمسؤولية، زادًا يحمله إليهم في كل جولة ومناسبة.

في المقابل كان حازمًا صارمًا في تطبيق القوانين واتخاذ الإجراءات المناسبة في حق المخالفين والمتلكّئين، لا مجال للخطأ ولا مراجعة من أي كان بشأن مرتكب.

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان لكن الخبز ضروري، فليس بالتحفيز وحده يصمد العسكري وهو مقيم في شوارع المواجهات شهورًا، ساهر في صقيع الجرود الموحشة، متأهب تأكل جلده الشمس الحارقة بينما هو يرفع الأنقاض من شوارع بيروت…

توالت الأزمات ومع كل منها مزيد من الأعباء تُلقى على كاهل العسكريين، المسؤوليات على خط بياني متصاعد بينما الرواتب على الخط الهابط نزولًا بسرعة تقطع الأنفاس… طبعًا لم تقف القيادة مكتوفة اليدين، استنفرت كل أجهزتها التي باتت أشبه بورشة عمل لا تهدأ. ما أمكن تأمينه بالقدرات الذاتية وفّر جزءًا كبيرًا من المتطلبات، أما الجزء الأهم فتم تأمينه من خلال المساعدات. يُذكر في هذا السياق كيف تمت مساعفة العتاد بجهود العسكريين المتفانين وخبرات المبادرين المبتكرين، بالإضافة إلى استحداث مشاريع إنتاجية وفّرت للعسكريين وعائلاتهم مستلزمات أساسية.

يُذكر أيضًا أنّ القيادة، بما لديها من رصيد عالٍ من الثقة والشفافية استطاعت الحصول على مساعدات من جهات محلية وأخرى دولية، فضلًا عمّا جادت به أريحية المغتربين اللبنانيين. بالتخطيط وحسن التدبير استطاعت القيادة دعم الطبابة العسكرية التي أُعطيت الأولوية على لائحة الضروريات. هكذا بات بوسع الطبابة توسيع مروحة خدماتها والسير بها نحو الأفضل. استُحدثت أقسام جديدة فيها، تمّ توفير الكثير من الأموال بفضل تقليص حالات الاستشفاء في المستشفيات الخاصة إلى الحد الأدنى مع تفعيل الرقابة فيها. أكثر من ذلك تمّ تأمين الاستشفاء في الخارج للعديد من الحالات الصعبة. النجاح الذي حققته الطبابة كان سببًا لإقامة مؤتمر طبي شاركت فيه وزارة الصحة ومختلف الجهات المعنية بالطبابة والاستشفاء في لبنان بهدف الاطلاع على التجربة الفريدة وأخذ العبر منها على صعيد الوطن.

على صعيد النقل وُضعت خطة أدت إلى شراء عشرات الباصات لنقل العسكريين من مناطق سكنهم إلى مراكز عملهم، وبالعكس. وبفضل المساعدات أيضًا تم تسديد جزء كبير من أقساط المدارس والجامعات. كما أمنت المساعدات المادية والغذائية دعمًا لا بأس به أعان العسكريين وعائلاتهم على تدبّر أمورهم في مرحلة عصيبة لم يسبق أن شهد لبنان مثلها. تفعيل بيوت الجندي في الثكنات والمستوصفات في المناطق، وسوى ذلك أسهم إلى حد معقول في تخفيف المعاناة عن كاهل عسكريين ما عاد راتب الواحد منهم يكفي لتأمين إحدى الحاجات اليومية الملحّة.

ربما لم نذكر جميع التدابير التي اتخذتها القيادة على صعيد دعم صمود العسكريين، لكنّ المهم أنّ ما ذُكر شكّل سابقة في قدرة المؤسسة على التكيّف وابتكار الحلول في مواجهة أشرس الأزمات في تاريخ لبنان، والنتيجة كانت أنّ الجيش صمد وحمى لبنان من الانهيار كما حافظ على كرامة عسكرييه ومعنوياتهم.

نتذكّر هنا قول العماد جوزاف عون للعسكريين في واحدة من جولاته ما مفاده: سنة 1975 تفكك الجيش فانهار الوطن. اليوم الوطن مشرذم لكنّ الجيش صامد متماسك، وهذا بفضل إيمانكم ومناقبيتكم وتفانيكم في أداء واجبكم. سوف يسجّل التاريخ أنكم حميتم لبنان…