د.هيام كيروز
مؤلفاته
«بسهر أنا وياك لطلوع الضو»، «حطّاب الضباب»، «الريح إبرة والشتي خيطان»، «زهرة القلب – قصيدة»، «ملقط ع منشر هالبحر»، «خيّاط الميّ»، «الليل مهرة والقمر خيّال»، «يا ريت خلّيت العمر بالبيت»، «نوّست تحت القلب ونطرتك»، «عيوني ولاد ودمعتي زعتر».
يكفي أن تقرأ قصيدة واحدة للشاعر جرمانوس جرمانوس حتى تعرف أنه عاشق للطبيعة، وأن قصائده تنبع من سكينتها وحقولها بعيدًا من صخب المدينة. الطبيعة بعناصرها من ريح وثلج وبرق ومطر، وكائناتها من فراشات وعصافير، وموجوداتها من سواقٍ وينابيع وجبال، تكوِّن المادة الخصبة لشعر جرمانوس، مجبولة بالتفاصيل الذاتيّة لأمكنة الشاعر: قريته، منزله، طرقات الطفولة، يدَي أمه، حضن جدّته، وذلك في لغة محكيّة تملك خاصيّة الانسيابيّة والبساطة الخالية من أي تكلّف.
شعر جرمانوس لا يُقرأ، إنه يُعاش، لما لعفويته من قدرة على التغلغل في الفكر والقلب. شعره ليس بحرفة، بمعنى أنه ليس عملًا ذهنيًّا، ولا صنعة، هو يصوّر ما يراه فحسب، وكأنه ينقل القصائد التي تكتبها الدروب، أو تلك التي تنشدها الفصول، أو تلك التي تبوح بها صباحات قريته، فيتدفّق شعره على غير انتظار، يهبّ كما الموسيقى وفق ما يشعر ويعبّر: «هبوب الشعر/ بالبال/ موسيقى/ وقمصان».
إذ تسرح في شعره، تجد أنّ قصيدته مخلوق حي تطوّر وتبلور تبعًا لإيقاع الأيام والخلجات، وتلوّن بسمات اتجاهاته الفطرية. فمنذ نيله جائزة الميدالية الذهبية بشهادة تقدير عالٍ عن فئة الشعر من «استديو الفن» في العام 1972، وجرمانوس جرمانوس يبدع ذراته في الشعر، جاعلًا منه مادة حياة، ومحقّقًا فيه وجوده.
إلى الطبيعة ترتقي إلهاماته، وبعناصرها تقترن صورة، ومسيرته الشعرية المعجونة من طينتها هي الخلاصة لتضامن سرائره مع المعطيات التي ترده منها.
تأكيدًا على هذا التفاعل، والتزامًا منه بمسؤولية الشعر، ليس كعنصر تزويق جمالي فحسب، بل أيضًا كتعبير اجتماعي وفعل وجداني يضيء في أحد جوانبه على الهوية والتراث؛ عمل الشاعر في التدريس، ودرّب الطلاب في المرحلة الثانوية على الشعر الشعبي المغنّى (الزجل) بعد تسجيله في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي في العام 2014.
قدرته الفطرية على سبك المشاعر والمشاهدات في نسيج غنائي شجي، جذبت إليه مطربين ومطربات غنّوا شعره وأوصلوه إلى جمهور واسع، مثل أميمة الخليل، ماجدة الرومي، عبير نعمه، جاهدة وهبة، شربل روحانا، وغادة شبير.
آخر أمراء المحكية في لبنان
قال جوزف حرب في شعر جرمانوس جرمانوس الذي يحمل بعضًا من أطياف شعره والروح: «كتر ما بشعرو في ياقوت حبر، بتشتهي تكون حرامي» ووصفه سعيد عقل بـ «نحات زميلو دهب». وكتب فيه أنسي الحاج: «أعاد جرمانوس جرمانوس الروح إلى القرية المحكية». وصنّفه أسعد جوان بـ «راهب المحكية الأول»، فيما خاطبه محمد علي شمس الدين كـ «آخر أمراء المحكية في لبنان».
لعلّ هذه الآراء في ما كشفته عن تتبّع لمسيرة الشاعر، ونضوج أدواتها، وما أضفته من أبعاد بنيوية على شعره إلى جانب عمله في الصحافة الاغترابية (جريدة التلغراف الأسترالية) أسهمت في ترؤُّس جرمانوس جرمانوس «صالون العشرين الأدبي» للدورة الحالية، ما يضعه في قلب النشاط الثقافي الأدبي والاجتماعي. وقد نال وسام التقدير من وزارة الثقافة عام 2015، كما كرّمته الوزارة نفسها عام 2023 «كونه أحدث تغييرًا في شعر المحكية».
روح للكلمات
الذوبان في لغة الطبيعة يبدو واضحًا في قوله: «يا خيال لفراشات/ إنتي وجايي، وراكضة الطرقات/ تا تغطّ فوق كتاف هالورقات/ تجيب العطر/ بتشوف مش كاتب شعر/ بتشوف حاطط روح للكلمات».
ويتجلّى الدفق الشعري في مضمون قصائده الذي ينعكس صورًا تتتابع كنهر لا تتوقّف روافده حين يكتب مثلًا:
«وعيت بذكر من قصيدي ليلتا/ بليل طول العمى متل الكأنّي/ سمعت تطريز الوفا بتنهيدتا».
صور نابضة بفطرة ابن القرية، وبتلك البراءة التي تتلقّف فيها حواس الطفل جمال العالم، تبدأ هادئة: «وزغار كنا/ خيال إمّي بساطتا…» ثم تنهمر كمطر ناعم: «وبرّا الشتي ماشي حفا/ والليل ركوة عم يفوّرها الحنين»! لتتواصل في توهّج هو صدى لحسّ الشاعر ولمخيّلته: «صار القمر/ باقة بنفسج ع التلج/ والتلج غابة ياسمين».
كل هذه الصور الحيّة تأتي إلينا من رحم الطبيعة كمحور أساس منه ينطلق وإليه يعود. فالطبيعة تتغلغل في موضوعاته من خلال حواس قادرة على التقاط روح الأمكنة وسيرة عناصرها ثم إعادة صياغتها بمفردات تنمّ عن عمق الصلة التي تربطه بها: «شايف ورا الغيمة مرا/ لابسي تياب القصيدة/ وطالعة صوب الشعر/ ومغسّلة بميّ الحبر».
للمساء السطوة الأقوى
الفصول، الصبح، الغروب، الغياب، القرية، السطيحة، الرعيان، الحب، الزهد في الدنيا، كلها موضوعات يذوّبها جرمانوس في صور شعريّة مكثّفة تمسّ الأعماق وتشيع في النفس إحساسًا مرهفًا وصفاءً لذيذًا، لكن للمساء بين هذه المواضيع سطوته الأقوى على شعر جرمانوس: «صوتِك والقصايد وإمي/ والمسا/ ل حاطط حلق ليمون»، «كانت عم تصلّي/ تحت غيم المسا».
«ليش لمّا بتطلّع بشوفِك/ متل حورة بمسا/ تشرين…» وفي قصيدة أخرى: «ويطلّ راهب تلج/ عا جنازة الأشجار/ يحرق بدير المسا/ البخّور نفنافي/ ودّي العمر مشوار/ يحجز بطاقة مسا/ ويحمل دعس حافي»!
تتكاثر الصور وتتألّق، في غنائيّة خافتة متحرّرة من هاجس الوزن والبناء الموسيقي، ففي شعر جرمانوس جرمانوس، الإيقاع الأقوى هو للصورة، ولتلك المخيّلة التي تتزاوج مع الحواس بمفردات صاعدة من أعماق النفس.
تحضر أمه في شعره بشكل بارز لتحتل صدارة المشهد وتثير في النفس إحساسًا عذبًا: «كانت عن تصلي/ تحت غيم المسا/ بْدَير الضباب/ وتحت قنطرة التلج/ وتيابها غيوم الغياب».
وتشعّ بيروت في سطوره كجوهرة: «وصلت على حصان البحر بيروت/ والسرج: مَيله موج، مَيله بيوت».
الجيش وفيروز من الغضب، والخوف على سيادة الوطن، يسبك كلمات كأنها قبضات ترتفع رافضة الذل:
من شلوش صخر العِزّ / يا جيش صوتك ع الزمان سياج…
ويهبّ من الطفولة هواء نقي، مشبّع بصوت فيروز:
«أجمل ما عندي يوم كنت زغير: ويكون صبح كتير/ أوّل ما عم تتولدن الفلّي/ تشقّ القلب فيروز لعصافير/ وضيعه ورا صوتا عن تصلّي.»
قصائد جرمانوس ليست مطوّلات، بل إنها مقتضبة ذات خصوصيّة تجعل الواحدة منها مرتبطة بالأخرى من حيث الرؤى الجماليّة المختزنة في المواضيع نفسها. ليس في شعره ما يشي بانحيازه إلى نمط شعري سائد أو إلى معايير متّبعة، وربما ما يميّزه إضافة إلى سلاسة الأسلوب ورهافة الحس، هو انسلاخه عن العالم السائد المطبوع بالماديّة، وصياغة هذا الانسلاخ بلغةٍ رقيقة طيّعة، وبومضات خافتة تنطوي على فتنة الصورة وتستولي عليها بمتعة بساطتها.






