المعاون كرستينا عباس
ليست كل ساعات الانتظار متشابهة. فالأم التي تنتظر عودة أولادها إلى المنزل قد يطول نهارها حتى يلامس الليل، لكنّها ما إن تلمح طيفهم مُقبلين نحو البيت حتى يهدأ قلبها وتطمئن. أمّا الأم التي يكون ابنها أو ابنتها في السلك العسكري، فانتظارها من نوعٍ آخر؛ إذ تتحول الساعات في عينيها إلى دهور، وتعيش ترقّبًا يمتلئ بالفخر بقدر ما يُثقل بالقلق، وتمتزج فيه الدموع بالابتسامة. فكيف تُمضي هذه الأم أوقاتها الطويلة إلى أن يعود بطلها من خدمته؟
تستيقظ والدة العسكري في كل صباح وقلبها يسبقها إلى الدعاء من أجل ابنها المتوجّه إلى خدمته، حيث الأخطار المُحدقة. يسير قلبها معه في كل خطوة، وفي كل مهمة ينفّذها دفاعًا عن الوطن. تراقب الطريق الطويل منتظرةً عودته بعد أداء واجبه. وقبل مغادرته المنزل، تملأ عينيها وقلبها بوقفته الشامخة بالبزّة العسكرية، بزة الشرف التي تصون الوطن. تودّعه، وترسل معه دعاءها ليلازمه أينما ذهب.
يومٌ كأنّه سنوات
تُشغل نفسها بأعمال المنزل اليومية، أو بعملها خارج المنزل إذا كانت عاملة، لكنّ فكرها يبقى مشغولًا بالعسكري الغائب عن البيت، الذي قد لا يعود «لا سمح الله». يبقى قلبها معلّقًا بين الفخر والقلق؛ فابنها اختار طريق الشرف والدفاع عن الوطن، وهي تنتظر أن تسمع الأخبار المطمئنة وبشائر الفرح.
عندما تقع عيناها على أغراضه المعلّقة في الخزانة، تشعر بفخرٍ كبير، وتستعيد في ذاكرتها صورة ذلك الطفل الصغير الذي كان يركض في أرجاء المنزل. ذلك الطفل أصبح اليوم رجلًا يتحمل مسؤولية كبيرة ويحمي الوطن.
في المساء، عندما يهدأ البيت وتخفت الأصوات، يشتد الشوق. تمرّ في بالها ذكرياتٌ كثيرة: ضحكته، كلماته، خطواته في الممرات وأرجاء المنزل… تنتظر اتصاله لتسمع صوته وتطمئن ويهدأ توترها. وتتداخل مشاعرها على نحوٍ مؤلم، خصوصًا في أوقات المعارك والحروب، وهي أصعب اللحظات التي تعيشها أمهات العسكريين. تترقّب وسائل الإعلام والتواصل بقلقٍ كلما سمعت خبر إصابة عسكريين، ثم تومض في قلبها بارقة أمل حين تهدأ الأمور وتتحسن الأوضاع.
قوية على الرغم من الظروف!
رغم الانتظار، تبقى قوية، لأنّ انتظارها ومشاعرها ليست علامة ضعف، فهي تُدرك أنّ طريق ابنها ليس عاديًا، بل هو طريق التضحية والوفاء لقسمه. هذه التضحية تجعلها تتحمل شوقها بصبرٍ، وتُخفي قلقها خلف ابتسامة يملؤها الأمل.
وعندما يعود إلى المنزل، تعمّ الفرحة ويعود الدفء إلى الجدران التي اشتاقت إليه. عندها تُعدّ له كل الوجبات التي يحبها، وتضمّه إلى صدرها الذي تاق لعودته منذ غيابه. وتحرص على الاستفادة من كل دقيقة تقضيها معه قبل أن يعود مجددًا إلى مهمته العسكرية المقدسة.
انطفأ نور عيني
«الله يحفظلي إبني ورفقاتو»، تردد السيدة حمده هذا الدعاء بين كل عبارةٍ وأخرى. هي التي قدّمت شهيدًا على مذبح الوطن في المؤسسة العسكرية، وانطفأت معه عينٌ من عينيها، تدعو نهارًا وليلًا حتى لا تنطفئ عينها الأخرى، أي ابنها الآخر الذي يخدم بدوره في المؤسسة العسكرية.
مع كل لقمة تأكلها تدعو له، هو الأمل الذي يمنحها القوة للاستمرار، والسند الذي لم يبقَ لها معيل سواه بعد استشهاد أخيه. تغصّ مرارةً في قلبها كلما تذكّرتهما معًا، وعندما يغيب عنها لثوانٍ تشعر وكأنّ سنوات مرّت. يشتعل قلبها خوفًا عليه، وعلى أخواته ورفاق السلاح أيضًا.
قبل استشهاد ابنها، دفعها خوفها المتزايد إلى الطلب منه الحذر والحرص على حياته. فهي أمٌّ ولا تحتمل فكرة الفراق، وخصوصًا هذا الفراق الأبدي. لكنّه أصرّ على متابعة واجبه ولو أدى ذلك إلى بذل دمائه ثمنًا للدفاع عن الأرض وأهلها. في حوارهما الأخير طلب منها أن تثق بالمشيئة الإلهية مؤكّدًا أنّ «ما كتبه الله سيتم». وقد شاء الله أن يرحل، فلم تجفّ دموعها منذ ذلك الحين. لم يبقَ لها سوى الدعاء لابنها العسكري الآخر، ولرفاقه، وللمؤسسة التي تحتضنهم بكافة عناصرها، وبمختلف رتبهم.
أنا أمٌ في النهاية
من جهتها، تشعر السيدة ناديا بقلقٍ موجع كلما ودّعت ابنها قبل توجهه إلى خدمته. ينطلق إلى ثكنته البعيدة عن البيت في الصباح الباكر، وتصبح حياتها مرهونة بعودته أو بسماع صوته عبر الهاتف يطمئنها ويقول «أنا بخير». لا تشعر بالراحة أبدًا، خصوصًا في ظل هذه الظروف الصعبة، وكل ما يمكنها فعله هو الدعاء له حتى يعود سالمًا.
تتمنى أحيانًا لو كانت هناك وحدة عسكرية أقرب إلى المنزل، لأنّ ذلك يتيح له أن يمضي وقتًا أطول مع العائلة. فهي أمٌ ولا تريد أن يبقى ابنها بعيدًا عن دفء الأسرة.
وما زاد من خوفها وقلقها، إصابة أحد رفاق ابنها في الخدمة. وقد ذهبت معه لزيارته في المستشفى. كان مشلولًا، متعبًا ومستسلمًا كما لم تره من قبل. يومها، شعرت بحزنٍ عميق يجتاح قلبها، فمن الصعب رؤية شابٍ كان يضجّ بالحياة والفرح متهالكًا على فراش المستشفى. وقد راودتها فكرةٌ كادت توقف دقات قلبها من الهلع، فما أصاب الشاب كان يمكن أن يصيب ابنها أيضًا، أو ربما أصابه الأسوأ «لا سمح الله». تتمنى أن تمتلئ الأيام بالسلام، فذلك وحده ما قد يخفف قلقها عليه وعلى رفاقه.
ابني في خطر!
ركضت لتجيب على الهاتف ولكنّ قلبها كاد يتوقّف حين رأت أنّ المتصل رقم غريب لا تعرفه، وخافت أن يكون هناك خبر سيئ من مركز خدمة ابنها. هكذا تعبّر السيدة وفيقة عن القلق الذي يلازمها كلّما كان ابنها العسكري في خدمته. فهي في هذه الظروف تكون مشدودة الأعصاب ولا يهدأ لها بال وكأنّ قلبها معلّق بما قد يأتي، على أمل أن يكون القادم خيرًا!
كل اتّصال من رقمٍ غريب هو إنذارٌ بالنسبة إليها، تخشى أن يحمل معه أخبارًا سيئة فتهمس في قلبها «آمل ألّا يكون أحد أبنائي في خطر!» ويزداد قلقها كلّما تأخر ابنها في الرد على هاتفه أو تعذّر الاتصال به لدواعي الخدمة.
لا أرتاح
في سياقٍ متّصل، تؤكد السيدة بريجيت التي تقوم ابنتاها بوظائف إدارية في المؤسسة العسكرية، أنّها لا ترتاح ولا يهدأ لها بال قبل أن تعود الابنتان إلى المنزل. فرغم أنّ العمل إداري، إلّا أنّ للبزّة العسكرية رهبتها، فمن يرتديها يُقسم على بذل ذاته ودمائه فداءً للوطن وأهله.
وتقول الأم إنّها تعمل في النهار ولا تستخدم هاتفها إلا في وقت الاستراحة. فإذا اتّصل بها رقمٌ غريب أو اتصلت إحدى ابنتيها، تشعر بالقلق الشديد والتوتر وينعكس ذلك على صوتها وسلوكها. وتضيف أنّه إذا تأخّر وقت عودتهما من العمل ولم تَتّصلا أو تجيبا على اتصالاتها، تخشى من أن يكون أمرٌ سيئٌ قد أصابهما.
راسخات في الصبر والفخر
بينما تستمر هذه اللحظات من القلق والانتظار، تظل الأمهات راسخات في صبرهنّ وفخرهنّ بأبنائهنّ العسكريين. فالأم التي تنتظر ابنها العسكري ليست مجرد أمٍّ قلقة، بل هي أمٌ فخورة تشارك ابنها رسالته النبيلة بصمتٍ وصبر ومحبة، رسالة «الشرف والتضحية والوفاء».
وبين الدعاء الصامت، والترقّب اليومي، وبين القلق والفخر، تُمضي الأمهات أيامهنّ، مُستنِدات إلى القوة الداخلية التي تمنحهنّ القدرة على الصبر والتحمّل، مع كل لحظة تمرّ حتى يعود أبناؤهنّ من مهمتهم بأمان.




