أكرم الريس – كاتب وباحث
لم يكن السفر في الأدب والفن اللبناني مجرّد حركة في الجغرافيا. من الباخرة التي حملت المهاجرين الأوائل إلى الأميركيتين، مرورًا بالقطار الذي ربط مدن المشرق بحداثة مصر، والطائرة التي باتت رمز المنفى الحديث، وصولًا إلى السفر الرقمي في زمن تضييق الحدود وتوسّع الهجرات، تشكّلت في المخيّلة اللبنانية صور متكررة للسفر. وهو أصبح تجربة وجودية ارتبطت بالنجاة والانكسار، إذ إنّه لا ينتهي بالوصول، بل يبدأ به. كذلك، رافق السفر تحوّلات المجتمع في لبنان المُثقل بالأزمات الاقتصادية والسياسية، وأنتج أدبًا وفنًا يتغذّى من فعل المغادرة أكثر مما يتغذّى من الاستقرار.
تسعى هذه المقالة إلى قراءة هذا التحوّل من خلال نصوص أدبية وتوثيقية وأعمال فنية مختارة من رصيد وافر من الأعمال الإبداعية والدراسات الخاصة بموضوع الهجرة، وربطه بتاريخنا الاجتماعي منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا.
بواخر النجاة وبحر الفقدان
أعاد العثمانيون بناء مرفأ بيروت في العام 1887، وافتُتح رسميًا في العام 1894 مع صعود دور المدينة كمركزٍ اقتصادي في شرق المتوسط، وذلك قبل عام واحد من إنشاء ولاية بيروت التي امتدّت من شمال يافا حتى اللاذقية. شكّل المرفأ البوابة الرئيسة للهجرة اللبنانية، وممرًا حيويًا لحركة البواخر والمسافرين، كما كان شريانًا أساسيًا للاستيراد والتصدير.
شهد لبنان في تلك المرحلة موجات هجرة واسعة نحو الأميركيتين، مدفوعة بالفقر والحروب والظلم. وكان من أوائل المهاجرين من جبل لبنان إلى البرازيل جوزيف إبراهيم نعمه في العام 1795 استنادًا إلى الباحث روبرتو خطلب. أما أوائل القادمين إلى بوسطن فهو أنطونيوس البشعلاني من قرية صليما، الذي وصل في العام 1854 قبل أن ينتقل إلى نيويورك ويدرّس اللغة العربية، حسب المؤرخ فيليب حتّي في كتيّب «أنطونيوس البشعلاني أول مهاجر لبناني إلى العالم الجديد» (منشورات جريدة الهدى، 1928). وكانت هجرة جبران خليل جبران في العام 1894 مع والدته وإخوته بينما بقي والده في بشري، وقد بلغ حينها الحادية عشرة من عمره. وتدرّج في نشاطه الأدبي والفني، ونجح مع زملائه في جمع عدد من الأدباء اللبنانيين والسوريين المقيمين في نيويورك ومدن أميركية أخرى ضمن إطار ثقافي واحد. وقد تُوِّج هذا المسعى بتأسيس الرابطة القلمية (1920-1931)، حيث انتُخب جبران عميدًا للرابطة، فيما تولّى مخائيل نعيمه منصب السكرتير، وتقابلها العصبة الأندلسية في البرازيل (1933-1952).
يُعد أدب المهجر رافدًا أساسيًا للأدب العربي الحديث، إذ جدد مضامينه وأساليبه عبر التحرر من القوالب التقليدية والاهتمام بقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية، متّخذًا من الكتابة فعلًا نضاليًا لتغيير المجتمع ورفد نهضة فكرية وثقافية، كما عكس رؤى متباينة لمعنى السفر والهجرة. فقد صوّر جبران الهجرة بوصفها رحلة رمزية وروحية، تتحوّل فيها تجربة المنفى إلى بحث إنساني شامل عن المعنى والانتماء. أمّا نعيمه فتعامل مع السفر كتجربة فلسفية وأخلاقية، يبرز فيها دور التأمل الذاتي وتجدُّد الروح. في المقابل، تناول الريحاني الهجرة من زاوية أكثر واقعية، مسلّطًا الضوء على الدور الاجتماعي والسياسي للمهاجر بوصفه وسيطًا ثقافيًا بين الشرق والغرب، والذي نلتمسه في «كتاب خالد» (1911).
يتناول الكتاب قصة الشابَّين خالد وشكيب من بعلبك اللذَين يهاجران إلى نيويورك، حيث يتنبأ خالد بدورٍ محوري يمكن أن تؤديه العلاقات العربية – الأميركية في ترسيخ السلم العالمي. وينخرط في العمل السياسي، لكنه سرعان ما يكتشف فساد بعض السياسيين ويعمل على فضحه، الأمر الذي يدفعهم إلى التآمر عليه والزجّ به في السجن. وينصرف خلال أيام سجنه إلى التأمل ويخلص إلى أنّ «مع الحرية يوجد الفساد، ومع العدل يوجد الظلم، ومع التفاؤل يوجد التشاؤم». وبعد عودته إلى بلاده، يدعو إلى استلهام المبادئ الأميركية في المشروع النهضوي العربي، وإلى السعي للاستقلال عن الدولة العثمانية، قبل أن يُحاكَم بسبب مواقفه.
التاريخ الشفهي ومصادر أخرى
تبقى حادثة غرق التيتانيك في نيسان 1912 راسخة في ذاكرة السفر والهجرة. فقد غرقت الباخرة التي وُصفت بأنها الأكبر والأسرع والتي «لا تغرق»، وكان على متنها أكثر من 150 مسافرًا من مناطق لبنانية مختلفة، من بيروت والحدث والشوير إلى حردين وزغرتا وطرابلس وزحلة وكفرمشكي وبكاسين وتبنين وصور وبنت جبيل. يردّد الكاتب رفيق باسيل، نقلًا عن روايات شفوية لأحفاد الناجين، أنّ شبان قرية حردين اجتمعوا على سطح السفينة عند وقوع الكارثة. وبعد أن ودّعوا النساء والأطفال، ركعوا وصلّوا طلبًا للرحمة. ثم صاح أحدهم: «دبكة يا شباب»، فوقف أحد عشر شابًا في صف واحد ممسكين بأيدي بعضهم، وراحوا يدبكون على أنغام المجوز الذي كان يحمله أحدهم، مردّدين: «عالدّيها الدّيها الدّيها / العصبة انحلّت شدّيها».
توثّق ليلى سلوم إلياس في كتابها «الحلم فالكابوس: السوريون الذين ركبوا متن التيتانيك» (دار أطلس، 2011) روايات أخرى استقتها من أرشيف الصحف العربية الصادرة في نيويورك مثل «الهدى» و«مرآة الغرب». ويركّز الكتاب على المآسي الشخصية والاجتماعية للركاب السوريين واللبنانيين ضمن سياق الكارثة التاريخية، ويذكر أنّ عددًا من اللبنانيين قُتلوا بالرصاص لعدم امتثالهم لأوامر حرس السفينة أثناء محاولة الصعود إلى قوارب نجاة الدرجة الأولى.
ويشير الباحث أكرم خاطر إلى أهمية الأرشيف في استعادة تجارب السفر، موضحًا أنّ الأدب اللبناني أسهم في إنتاج ذاكرة للهجرة تعوّض غياب الأرشيف الاجتماعي الرسمي. بهذا المعنى، لا يكتفي الأدب بتوصيف السفر، بل يصوغ سردية جماعية تحفظ التجربة من النسيان. ويعمل خاطر على توثيق تاريخ الهجرة عبر مركز خيرالله لدراسات الانتشار اللبناني في جامعة كارولاينا الشمالية، الذي يُنتج أبحاثًا وينظّم معارضَ وأفلامًا وثائقية بهدف حفظ قصص المهاجرين اللبنانيين ومشاركتها مع العالم.
زمن القطار ووعد النهضة
شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحولًا تاريخيًا في طرق المواصلات بين بيروت ودمشق. فبعد أن كانت الرحلة عبر مسارات البغال تستغرق أيامًا، أصبح بالإمكان قطعها خلال 12 إلى 15 ساعة مع تدشين الطريق المعبّد في العام 1863 بجهودٍ فرنسية وعثمانية. وكان أول طريق حديث في الدولة العثمانية صُمّم للعربات ذات العجلات والمركبات التي تجرّها الخيول. وأُقيمت على طوله محطات استراحة لتبديل الخيول كل عشرة إلى خمسة عشر كيلومترًا، إضافة إلى الخانات التي تؤمّن الطعام والمبيت للمسافرين.
تُوّج هذا التطور بافتتاح خط سكة الحديد بين بيروت ودمشق (1895)، ما قلّص زمن الرحلة إلى تسع ساعات فقط. تزامن ذلك مع دخول الكهرباء إلى بيروت وظهور أول سيارة فيها (1905)، فترسّخ دور المناطق والبلدات والقرى التي يمر بها القطار، وتحوّلت محطات مثل عاليه ورياق إلى نقاط لقاء للنخب الثقافية والتجارية. أصبح القطار شريانًا نهضويًا اقتصاديًا وثقافيًا يربط بلاد الشام بمصر التي كانت بدورها مقصدًا لهجرة اللبنانيين والسوريين منذ أواسط القرن التاسع عشر. عبر هذا الخط كانت الفرق المسرحية المصرية تصل إلى مسارح بيروت ودمشق، وكانت أسطوانات الموسيقى العربية تنتقل مع المطربين في جولات فنية دورية، مما أسهم في توحيد الذائقة الفنية العربية قبل أن ترسم الاتفاقيات الدولية حدودها السياسية لاحقًا. كما كانت الصحف الصادرة في بيروت تصل إلى دمشق في يومها، ويتنقل الأدباء والمفكرون بين المدينتين للمشاركة في الصالونات الأدبية.
ظلّ القطار ملتحمًا بالأرض، وهو يقطع أطوار الحياة الاجتماعية من بداوة وأرياف ومدن، ناسجًا بحيوية شبكة علاقاتٍ إقليمية في حيّزٍ أضيق مما تتيحه البواخر العابرة للقارات. وقد أدى هذا الاتصال المباشر بالواقع المحلي إلى تحوّلٍ في التعبير الأدبي والفني، إذ اتجه نحو التفاعل المباشر مع مظاهر الحداثة الوافدة وتجلياتها المادية، بدلًا من الاستغراق في المعاني الروحية أو الوجودية للسفر.
صدمة الحداثة
قبل أن يصبح القطار موضوعًا في الأدب والفن، كان حدثًا بصريًا هائلًا في حياة الناس: قاطرة سوداء تنفث البخار، وصفير طويل يشق الصمت، وعربات حديدية تربط قرى لم تكن تعرف بعضها. عندها لم يعد القطار مجرد وسيلة نقل. لقد غيّر الإحساس بالمسافة والزمن معًا، فمع كل صافرة كانت قرية ما تفتح عينيها على زمن جديد. وقد ارتبطت ولادة السينما نفسها بصورة القطار، إذ يُعدّ فيلم الأخوين لوميير القصير «وصول قطار إلى محطة لاسيوتا» (1895)من أوائل الإنجازات في تاريخ السينما، حتى أنّ الروايات الشائعة تقول إنّ بعض المشاهدين فرّوا من الصالة خوفًا من أن يخرج القطار من الشاشة ويصطدم بهم.
في الأدب العربي، يظهر القطار بوصفه صدمة الحداثة. فالصحراء التي كانت تُقاس بالنجوم وبخطى القوافل، صارت فجأة تقاس بصافرة قطار يقطع المسافة في ساعات. ففي رواية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، يمثّل دخول القطار ومن ثم السيارة تحوّلًا جذريًا يصدم المجتمع البدوي، إذ يبدأ بتغيير مفهوم المسافة والزمن في الصحراء، معلنًا نهاية عصر القوافل. وسرعان ما يتحول القطار في شعر بدر شاكر السياب إلى صورة للحركة التي لا تهدأ في مدينة غريبة مثل بغداد، حيث تصل القطارات حاملة القادمين من الريف وأحلامهم الصغيرة، قبل أن تبتلعها المدينة الكبيرة.
كما أصبح استهداف السكك الحديدية والقطارات عسكريًا رمزًا لقطع الصلة مع الدولة العثمانية وبداية تشكّل الحدود السياسية الجديدة التي قسمت بلاد الشام. وتتجسد هذه المعاني في فيلم «سفر برلك» (1967) من إخراج هنري بركات وكتابة الأخوين رحباني وبطولة فيروز، حيث يتحول مسار القطار الذي ينقل القمح إلى موقع للمواجهة مع العثمانيين في محاولة لرفع الظلم وإنهاء التجويع. ومع زمن النكبة، يتحول القطار في الأدب الفلسطيني في خطوة متقدمة، وخصوصًا في أعمال محمود درويش وغسان كنفاني، إلى رمز للرحيل والمنفى والمحطات المفقودة. إنه قطار اللاجئ الذي ينتظر رحلة قد لا تأتي، أو قطار العودة الذي يفوته، أو قطارٌ يمضي نحو المجهول حاملًا أصحابه بعيدًا عن أرضهم. وهكذا تصبح المحطة صورة للذاكرة المعلقة، وكما توحي إحدى صور درويش الشعرية: «والمحطة مثل وشم ذاب في جسد المكان».
عربات الوقت
تستحضر عنبرة سلام الخالدي انطباعات أهل المدن خلال مواسم الاصطياف في صوفر، وزحلة ومقاهيها وفندق القادري، وقلعة بعلبك، وبساتين البرتقال في صيدا، في كتابها «جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين» (دار النهار، 1978). تقول: «والحق، إنه لتأخذني الدهشة حينما أرجع إلى ما شهدته في حياتي من تطور لطرق النقل. فقد كنت أرى جدتي حينما تركب العربة لا تنفك تتمتم بالأدعية والتعويذات خوفًا ورهبة، إلى أن تصل إلى المكان المقصود وكأنها تستقل صاروخًا. وكان القطار وسيلتنا الوحيدة للتنقل البعيد، وخطه الوحيد في لبنان يمتد من بيروت إلى دمشق». وتتابع سلام سرديتها عن مشاهد الوصول: «وكان يقف عند كل محطة في كل قرية تقريبًا، وفيها يهرع البائعون إلى نوافذ القطار يقدمون سلالهم المملوءة بالفاكهة الصيفية والخبز المرقوق واللبنة، كما يتراكض صغار يلوّحون ببعض الجرائد والمجلات والروايات المترجمة، وأغلبها روايات شارلوك هولمز التي تعرّفتُ إليها للمرة الأولى في القطار، وكنت مع إخوتي نعكف عليها برغبة حارّة حتى نأتي على ما فيها قبل انتهاء الرحلة».
في المقابل، يروي مارون عبود في قصصه التي توثّق الحياة الريفية اللبنانية ظهور القطار كقوةٍ سحرية وافدة من المدينة، تثير دهشة القرويين وتجلب معها أخبار المهاجرين أو العائدين من برّ الشام . ويتداول كبار السن من أهالي عاليه الذين عاصروا صعود ظاهرة القطارات رواية طريفة عن تلك المرحلة. فقد كان وجهاء بيروت وعلية القوم يستقلّون القطار في عطلات نهاية الأسبوع صعودًا إلى الجبال والبقاع بملابسهم الأنيقة، ثم يعودون أدراجهم مساءً. وعندما يصل القطار إلى محطة عاليه، كانوا ينزلون منه فيما تقوم القاطرة البخارية بتغيير مسارها لمتابعة الرحلة نحو بحمدون وما بعدها. لذلك، كان أهل البلدة يتجمعون كل نهاية أسبوع لمشاهدة ما أسموه «عرض الأزياء»، وهو مشهد عفوي يُظهر فيه القادمون من بيروت أناقتهم وملابسهم الجديدة والغريبة بالنسبة إلى أبناء البلدة.
الطائرة والقطيعة
مع منتصف القرن العشرين تغيّر معنى السفر جذريًا. لم يعد المسافر يودّع المرفأ ويغيب أسابيع في البحر كما في زمن البواخر، بل صار يختفي في السماء خلال دقائق، فيما تتقلّص المدن تحته حتى تبدو مثل خرائط صغيرة. ومع تطور تقنيات السفر واقتصاده، حلّت الطائرة مكان الباخرة وأصبح متاحًا بأشكالٍ وقوالب متعددة لشرائح مجتمعية واسعة. افتُتح مطار بيروت الدولي في موقعه الحالي جنوب العاصمة في نيسان 1954 وتميز بحداثته، ليحل محل مطار بئر حسن الذي أُنشئ في العام 1938 في زمن الانتداب الفرنسي. وجاء افتتاح المطار الجديد في سياق النهضة الاقتصادية التي شهدها لبنان في تلك المرحلة.
تحوّل السفر من تجربة جماعية بطيئة إلى فعل فردي هي قطيعة مع الأرض وعزلة اختارها هشام شرابي في سيرته «الجمر والرماد: ذكريات مثقف عربي» (دار الطليعة، 1978) مغادرًا بيروت عبر عمان بعد فشل جهوده السياسية نحو الولايات المتحدة الأميركية حيث أكمل تحصيله الجامعي وانخرط بعدها في العمل الأكاديمي. يتمعّن شرابي بوصف لحظات إقلاع الطائرة وانقطاعه عن بلاده: «الطائرة تعلو رويدًا رويدًا فوق عمان، متجهة جنوبًا. البيوت تصغر حتى تبدو بحجم لعب الأطفال. ثم تختفي ولا يبقى إلا الأرض الخالية والتلال الجرداء. أنظر إليها من خلال دموع لا أستطيع منع انسيابها. لقد نبذتني يا وطني.. لن أرجع إليك.. لن أرجع أبدًا». أما في الحرب الأهلية، فقد ارتبط السفر مباشرة بفعل الهروب القسري، وأصبح ضرورة وجودية، لا خيارًا. لم تعد الطائرة رمزًا للحلم، بل أداة نجاة مؤقتة من العنف والانهيار. وتجدر الإشارة إلى أنّ مطار بيروت كان أيضًا مسرحًا للصراع منذ أن دمرت الطائرات الإسرائيلية المدينة في نهاية كانون الأول من العام 1968، ومع تكرار حوادث العنف وإغلاق المطار خلال الحرب الأهلية.
استعادة ملامح السفر والسياحة
تزخر المكتبة برصيدٍ كبير من كتابات ورسومات الرحّالة والمستشرقين الذين زاروا لبنان والمنطقة. وما تزال الأواسط الثقافية تحتفي بزياراتٍ قامت بها شخصيات رسمية أمثال القيصر الألماني ڤيلهلم الثاني في العام 1898، كما رصدتها حينها جريدة «ثمرات الفنون»، وإمبراطور البرازيل دوم بيدرو الثاني الذي قام برحلتين في العامين 1871 و 1876، وقد تم استعادة هاتين الرحلتين في معرض أُقيم في دار النمر في كليمنصو بعنوان «القنطرة» (2022).
ويظهر لبنان في سلسلة من الأفلام المصرية والغربية كان من أوائلها فيلم «دموع الحب» (1935) من إخراج محمد كريم وبطولة محمد عبد الوهاب ونجاة علي، بالإضافة إلى مجموعة من الأفلام المحلية التي أُنتجت قبل الحرب الأهلية وكانت طبيعة لبنان وازدهاره والحياة المترفة من عناصرها المشتركة. استعاد المخرج هادي زكاك هذه الأفلام عبر معرض «في هذا المكان: شرائط لوسط بيروت» (2022). حَيَّكَ زكاك من شذرات الأفلام القديمة التي صُوّرت في لبنان والعاصمة في زمن الازدهار خمسة فيديوهات تشمل مواضيعها المرفأ والبلد وأوتيل بيروت وكباريه بيروت. واستدعى حوارًا ما بين ماضي الصور بأبعادها السياحية والحداثية والاستشراقية وحاضر الركام والذاكرة، مسلّطًا الضوء على بعض ما تم إقصاؤه وتنميطه من تنوّع بيروت وانفتاحها. وكانت ملصقات السفر موضوع معرض متخصص أُقيم مؤخرًا بعنوان «انطباعات عن الفردوس» في جناح نهاد السعيد التابع للمتحف الوطني، وقد خصصنا له مقالًا في العدد الماضي من المجلة. كما نشطت جمعيات محلية في التوعية حول أهمية تفعيل قطاع سكك الحديد، وأسهمت في إقامة معارض وندوات حول دور القطار الاقتصادي والاجتماعي بالإضافة إلى تنظيم زيارات ميدانية إلى مواقع المحطات.
يرتبط رسوخ السياحة والاصطياف بمركزيّتهما في الوجدان العام وبسياسة الدولة لبناء الوطن، وتتمثل في التغنّي بجمال لبنان وعنفوان شعبه في الشعر الشعبي والزجل، وفي المهرجانات الفنية الصيفية التي تُبشر بالوئام والحياة الهانئة وتهمل الصّرعات المجتمعية القائمة. ومن الأعمال المحورية كتاب «قلب لبنان» (1947) لأمين الريحاني الذي يدمج بين أدب الرحلات والمذكرات الشخصية، حيث ينقل الكاتب مشاهداته وانطباعاته خلال تجواله في ربوع لبنان بين الأعوام 1907 و 1938. يركز الريحاني في الكتاب على جمال الطبيعة اللبنانية، ويوثّق جغرافية المناطق والأرياف، متضمّنًا ذكريات تاريخية وعِبَرًا من رحلاته برفقة مجموعة من أصدقائه الأدباء والمثقفين.
وتبرز مسرحية «السائح والترجمان» (1962) للأديب توفيق يوسف عوّاد كأحد الأنواع الأدبية القليلة التي جعلت من السياحة موضوعًا دراميًا أساسيًا، وربطتها بالتحوّلات الاجتماعية في لبنان بعد نيله الاستقلال. تُظهر المسرحية كيف تحولت المعالم السياحية من رموز تاريخية إلى سلع يبيعها الترجمان للسائح الزائر. لا تعرض المسرحية السياحة كمجرد قطاع اقتصادي، بل كفضاء تتصادم فيه القيم والمفاهيم بين ابن الأرض والسائح القادم من بلاد «الفردوس المتخيل» في الغرب. يُبرز عوّاد في هذا العمل أنّ الترجمة ليست مجرد فعل لغوي، بل تجربة تحمل أحيانًا خيانة للواقع أو تجميله للسائح، بينما تضطرم في داخله رغبة خفية في الرحيل. غير أنه يُدرك أنّ السائح نفسه يبحث، على نحوٍ مشابه، عن شيء مفقود في بلاده المتقدّمة ماديًا، فيصبح كلاهما في موقع الغريب الذي يفتش عن معنى يتجاوز حدود المكان.
هشاشة السياحة
غالبًا ما تقف الأزمات حائلًا دون اكتمال المجال السياحي، فمنذ حرب 1967 وصولًا إلى الانهيار الاقتصادي الحالي ومع تحولات الصناعات السياحية في العالم، كانت السياحة في لبنان هي القطاع الأكثر حساسية، والذي يقيس هشاشة السلم الأهلي. هذا الغياب يعكس علاقة ملتبسة مع الجغرافيا، فلبنان بلدٌ مصير شبابه الهجرة، مما جعل السفر في الرواية الحديثة قدرًا تاريخيًا. «كان السفر عادةً عائلية، مثل الاسم»، عادة تتوارثها الأجيال ليكون السفر غالبًا مشروطًا بالضرورة والقلق والحنين وليس المتعة.
ظل الأدب اللبناني ينظر إلى السياحة بعين حذرة، فالسائح في الرواية اللبنانية قد يكون أيضًا مغتربًا يبحث عن أثر أو عن بيت مهدم أو عن عائلة انقطع عنها. وفي العقود اللاحقة، استمر الاهتمام بشخصيتَي المهاجر واللاجئ في الأدب اللبناني، اللتين أخذتا مساحة بارزة في لبنان وفي بلدان أخرى شهدت موجات هجرة متتابعة، سواء كانت اختيارية أم قسرية، بفعل الحروب والظروف السياسية والاقتصادية والبيئية. يعيش اللاجئ والمهاجر من وإلى لبنان تجربة الغربة على نحو دائم، حيث يصبح الانتماء متشعبًا، ويختلط بالاغتراب والحنين إلى الوطن وبشروط العمل والإقامة. ومن منظور أكثر تفاؤلًا، أسهم استقرار اللبنانيين في القارات المختلفة في نسج شبكة عالمية من العلاقات الاقتصادية والثقافية، ربطت بين لبنان والمهجر وأسهمت في تعزيز جسور التواصل بين المجتمعات والدول. وهكذا، تتحرك تجربة السائح والغريب والمهاجر واللاجئ معًا لتشكل لوحة متكاملة تعكس دينامية الحركة والاغتراب والانتماء في الواقع كما في الوعي والمخيّلة اللبنانية.
من السفر المؤجل إلى السفر الرمزي
يرى الباحث أسعد خيرالله أنّ السفر في النص الأدبي ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل يحمل في طياته تعبيرًا عن تحولات داخلية يعيشها الفرد أو المجتمع. لذلك، يميز بين الانتقال المادي أو الفعلي في المكان والحركة المعنوية التي تعكس البحث عن الذات أو المعرفة أو الحرية من دون الانتقال بين الأمكنة. ويُطلق على هذه الحركة تسمية «السفر الرمزي» لتصبح رحلة داخل الإنسان في المعنى والهوية والذاكرة في سياق دراسته للأدب العربي الحديث وعلاقته بالتجربة الإنسانية والتحوّلات الاجتماعية. فالشخصية التي تسافر رمزيًا تمر بتجربة داخلية في تغيير فكري أو روحي في محاولة لاكتشاف الذات في مواجهة الآخر أو العالم وتعبيرًا عن الرغبة في الخروج من قيود اجتماعية أو سياسية. تصبح الرحلة الداخلية بالتالي أداة للمعرفة والتجربة والبحث المستمر والتعبير عن أزمة الهويات في عالمنا المعاصر.
وقد توسّع خيرالله في استخدام هذا المنظور عبر دراسة قصيدة «نهر الرماد» لخليل حاوي، ورمزية السندباد في أعمال بدر شاكر السياب، ويوليسيس عند يوسف الخال. أما ملحمة أدونيس الشعرية «أدونيادا» (2022) فهي سَفر بين السموات والأرض، حيث «لا نهاية، لا راحة، لا وصول غير هذا الترحل، هذي المسافات، بلا أول ولا آخر». وفي مضمار فني آخر تبرز مسرحية المحطة (1973) للأخوين رحباني حين تصدح فيروز تعبيرًا عن السفر الرمزي: «بالليالي هوي وحدِّي، من جوا يسافر، بقلبو يسافر، بالريح يسافر»، بينما المحطة هي برزخ الوقت، والقطار هو رمز الشوق الإنساني للمدى الأبعد: «الانتظار خلق المحطة وشوق السفر جاب الترين».
السفر الرقمي
يكتسب مفهوم السفر الرمزي أبعادًا جديدة مع التقدم التكنولوجي الراهن ليشير إلى السفر عبر الشبكات الرقمية. يصبح الإنسان مسافرًا عابرًا للحدود والقارات وهو ثابت في مكانه، متجاوزًا بـ«نقرة» واحدة قيود الجوازات وصلابة الجغرافيا. إنّه سفر الأرواح المحبوسة التي أبت الاعتراف بالحدود، فاتخذت من الفضاء الرقمي سرديةً بديلة وملاذًا اضطراريًا.
تتجلى هذه الأبعاد في بعض الإنتاج الأدبي العالمي الذي نُشر في العقود الأخيرة. لم يعد الوطن أرضًا بل بياناتٍ وصورًا ورسائل، وأضحت المنصات الرقمية وسيلة السفر اليومي المتاح في ظل الانغلاق السياسي أو الأمني أو الصحي مثلما حصل خلال جائحة الكورونا. هذا الارتحال الرقمي لم يتوقف عند حدود الكلمة، بل امتد إلى الفنون البصرية، وتبلور في بلادنا ليصبح ذريعةً لاستعادة المكان المفقود في أعمال خليل جريج وجوانا حاجي توما. كما تحوّل إلى رحلةٍ عميقة عبر الزمن في تجربة الفنان أكرم الزعتري، الذي يوظف البحث الرقمي في أرشيفات الصور لترميم الذاكرة المثقوبة، محوّلًا العناصر الرقمية إلى أداةٍ لاسترداد هويةٍ تأبى الغياب.
عناصر فاعلة في صياغة المخيّلة
تكشف صور السفر في الأدب والفن والذاكرة اللبنانية أنّ وسائل النقل التي اخترعها الإنسان لم تكن مجرد أدواتٍ تقنية عابرة بين الأرض والبحر والسماء، بل كانت عناصر فاعلة في صياغة المخيلة الاجتماعية وتشكيل وجدان الجماعة. لقد واكبت الباخرة والقطار والطائرة تحوّلاتٍ جذرية في علاقة الإنسان بالمكان والزمن، حتى استحال السفر جزءًا أصيلًا من السيرة العميقة للوطن، وهيكلًا ثابتًا في بنيته الرمزية.
ومع تسارع خطى الحداثة، تخطّى السفر حدوده المادية ليكتسب أبعادًا أكثر تعقيدًا مع بروز مفهوم السفر الرمزي، ثم السفر الرقمي، حيث لم يعد الارتحال يتطلب جسدًا يعبر المسافات، بل خيالًا وروحًا يعبران الحدود عبر الذاكرة والوسائط. ومن خلال هذه التحولات يمكن إعادة قراءة تاريخ لبنان الحديث بوصفه تاريخًا من الحركة الدائمة والتأرجح المستمر بين المغادرة والعودة، وبين الانتماء والاغتراب. هكذا يغدو السفر، في التجربة اللبنانية، ليس مجرد انتقال في المكان، بل حالة وجودية تُنتج «الغريب» وتعيد تعريف معنى الانتماء، فهل أصبحنا كلنا غرباء؟
كتب وأفلام وأغانٍ
- نجيب محفوظ – ثرثرة فوق النيل
- جبرا إبراهيم جبرا – السفينة
- روايات حنا مينة
- جورج شحادة – مهاجر بريسبان
- سهيل إدريس – الحي اللاتيني
- منصور رحباني – أسافر وحدي ملكًا
- رفاعة رافع الطهطاوي – تخليص الإبريز في تلخيص باريز
- مرويات السفر والهجرة في كتب سلام الراسي
نماذج من الأفلام والمسرحيات
- فيلم إلى أين – جورج نصر
- فيلم المحطة الأخيرة بطولة منير معاصري
- فيلم بدوية في باريس – سميرة توفيق
- فيلم أورينت إكسبرس
- فيلم التيتانيك – جايمس كلميرون
- مسرحية شوشو في صوفر
- مسرحية قدام باب السفارة الليل كان طويل – نضال الأشقر
نماذج من الأغاني
- فيروز: يا رايحين مشرق – خدني – سنرجع يومًا – سافرت القضية – ندهتني النسمة الغريبة – وينن – من يوم تغرّبنا
- صباح: سفّرني معك – يا مسافر وقف عالدرب
- عبد الوهاب: الجندول – مسافر زاده الخيال (النهر الخالد) – يا مسافر وحدك
- اسمهان: ليالي الأنس في فيينا
- فريد الأطرش: لأكتب عا وراق الشجر
- هدى حداد: بدنا عروس للشب الأسمر
- وديع الصافي: يا مهاجرين ارجعوا
- نجاح سلام: شهر العسل
- هيام يونس: سافر يا حبيبي وارجع
- جوليا: وين مسافر
- سميرة توفيق: سافر حبيبي






