د.إلهام نصر تابت
لأنّ لا خيار آخر لنا، نصمد ونصمد. لأنّ لا قوة في الأرض قادرة على انتزاعنا من الأرض، نصمد ونصمد. لأنّ في أرضنا من تراب الأحبة أكثر مما لها من تراب الأرض، نصمد ونصمد ونصمد.
يأتينا الوجع وحشًا جائعًا، فنغريه بأجسادنا كي يصرف نهمه عن أطفالنا.
تدعوه صلوات العجائز، تعال إلى عروقنا، إليك كل ما تبقى فيها من دماء وتعب، ومن بقايا أعمار نسيجها دبق تبغ ومرارة، وأحلامها غار وزيتون.
تلوّح له نساؤنا أن تعال إلينا، ليس في الأجساد الطرية ما يُشبعك. فلتكن وليمتك من خبز صنعناه ومؤونة وخيرات كثيرة.
تهدر صرخات الرجال، تعال إلينا أيها الوحش الجبان، دع النساء والأطفال والعجائز…
الوحش لا يسمع، الوحش لا يرى، لا يشبع، لا يرتوي. فكيف له أن يميّز بين ضحكة طفل وهدير قذيفة؟
إنّه مطحنة الموت تطحن الأبنية بمن فيها، وما فيها. آلة عمياء أبوها الحقد وأمها الأطماع. فكيف له أن يُدرك أنّ قتلنا لا يقتلعنا من أرضنا بل ينبتنا فيها أرزًا وزيتونًا ولوزًا وسنديان؟
آلة تنتمي إلى أبشع ما عرفه الإنسان من شرور، فكيف له أن يعي أنّ الأرض التي يُحرقها بالفوسفور وسواه من السموم ستعيد صنع الحياة؟
لطالما قتل الوحش أهلنا وأولادنا، لكننا في كل مرة نُثبت أنّنا أبناء الحياة، بل صنّاع حياة وأمل.
لطالما هدم بيوتنا ومنشآتنا ومرافقنا الحيوية، لكننا عدنا وبنيناها رغم ما يُثقل كاهلنا من أزمات ومصائب.
لطالما حاول زرع الفتن بيننا لكنّنا انتصرنا عليها.
هذه المرّة أيضًا سنعيد صنع الحياة والأمل، سنعيد بناء ما هدمه العدو، وسننتصر على الفتن وإن كان الشر هذه المرة أكبر بكثيرٍ، فوسائله تطورت ونحن منهكون. لكن سنفعلها من جديد.
ما شهدناه خلال عدوان تموز 2006 وإثر كارثة انفجار المرفأ، من نخوة ومروءة وتكاتف وتعاضد، نشهده اليوم رغم كل محاولات العدو لتفريقنا وبث سموم الفتن بيننا. في النهاية نحن نُدرك أنّنا شعب واحد مصيره واحد، والرهان في وحدتنا هو على كلٍ منّا، سواء وجد السياسيون حلولًا لخلافاتهم أم لم يجدوا.
من معجن الوجع الواحد أكلنا الخبز المرّ معًا، ومن حقد العدو إياه تجرّعنا السم مرارًا. فلتكن هذه التجربة القاسية حافزًا يدفعنا إلى التشبث بوحدتنا وأرضنا، ولتكن إرادتنا السلاح الذي به يتحقق تعافي الوطن من جراحه وأوجاعه.
فلأن لا خيار آخر لدينا… سنصمد ونصمد ونصمد.
العوافي يا جيشنا.
العوافي ياوطن.



